المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 786
أَيْدِيَكُمْ النّساء: 77.
فإنّ الظّاهر أنّ هؤلاء أيضا كانوا من المؤمنين، مع قوله تعالى بعد ذلك: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ النّساء: 77، وقوله: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ... النّساء: 78، إلخ. وكذا قوله:
فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ ... النّساء: 74، وقوله:
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... النّساء: 75، وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...
النّساء: 76، كلّ ذلك تحريض واستنهاض للمؤمنين، وفيهم هؤلاء المبطؤون، على ما يلوح إليه اتّصال الآيات.
على أنّه ليس في الآيات ما يدلّ بظاهره على أنّ هؤلاء المبطئين من المنافقين الّذين لم يؤمنوا إلّا بظاهر من القول، مع أنّ في بعض ما حكى اللّه عنهم دلالة ما على إيمانهم في الجملة، كقوله تعالى: فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَ النّساء: 72، وقوله تعالى: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ... النّساء: 77، نعم ذكر المفسّرون أنّ المراد بقوله: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ المنافقون، وأنّ معنى كونهم منهم دخولهم في عددهم، أو اشتراكهم في النّسب فهم منهم نسبا، أو اشتراكهم مع المؤمنين في ظاهر حكم الشّريعة بحقن الدّماء والإرث ونحو ذلك لتظاهرهم بالشّهادتين، وقد عرفت أنّ ذلك تصرّف في ظاهر القرآن من غير وجه.
وإنّما دعاهم إلى هذا التّفسير حسن الظّنّ بالمسلمين في صدر الإسلام كلّ من لقي النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وآمن به.
والبحث التّحليليّ فيما ضبطه التّاريخ من سيرتهم وحياتهم مع النّبيّ وبعده يضعّف هذا الظّنّ، والخطابات القرآنيّة الحادّة في خصوصهم توهن هذا التّقدير.
ولم تسمح الدّنيا حتّى اليوم بأمّة أو عصابة طاهرة تألّفت من أفراد طاهرة من غير استثناء، مؤمنة واقفة على قدم صدق من غير عثرة قطّ، إلّا ما نقل في حديث الطّفّ. بل مؤمنوا صدر الإسلام كسائر الجماعات البشريّة، فيهم: المنافق، والمريض قلبه، والمتّبع هواه، والطّاهر سرّه.
والّذي يمتاز به الصّدر الأوّل من المسلمين هو أنّ مجتمعهم كان مجتمعا فاضلا يقدّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ويغشاهم نور الإيمان، ويحكم فيهم سيطرة الدّين.
هذا حال مجتمعهم من حيث إنّه مجتمع، وإن كان يوجد بينهم من الأفراد الصّالح والطّالح جميعا، وفي صفاتهم الرّوحيّة الفضيلة والرّذيلة معا، وكلّ لون من ألوان الأخلاق والملكات.
وهذا هو الّذي يذكره القرآن من حالهم، ويبيّنه من صفاتهم، قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ- إلى أن قال-: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا الفتح:
29، فقد بدأ تعالى بذكر صفاتهم وفضائلهم الاجتماعيّة مطلقة، وختم بذكر المغفرة والأجر لأفرادهم مشروطة.
المصطفويّ: (ليبطّئنّ) أي ليؤخّرنّ، أخذ الحذر والنّفر إلى الجهاد المأمور بها في السّابقة خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ... النّساء: 71. (1: 270)