فهرس الكتاب

الصفحة 2644 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 823

فأكله بالحرام أن يصرف إلى شرب الخمر والزّنى واللّواط والقمار، أو إلى السّرف المحرّم، وكلّ هذه الأقسام داخلة تحت قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ. (5: 128)

القرطبيّ: فيه مسائل:

الأولى: الخطاب بهذه الآية يتضمّن جميع أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم.

والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حقّ، فيدخل في هذا: القمار والخداع والغصوب، وجحد الحقوق، وما لا تطيب به نفس مالكه، أو حرّمته الشّريعة وإن طابت به نفس مالكه، كمهر البغيّ، وحلوان الكاهن، وأثمان الخمور والخنازير، وغير ذلك.

ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة البائع بحقيقة ما باع، لأنّ الغبن كأنّه هبة، على ما يأتي بيانه في سورة النّساء.

وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهيّ لما كان كلّ واحد منهما منهيّا ومنهيّا عنه، كما قال: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ...

البقرة: 85، وقال قوم: المراد بالآية وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أي في الملاهي والقيان والشّرب، والبطالة، فيجي ء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين.

الثّانية: من أخذ مال غيره لا على وجه إذن الشّرع فقد أكله بالباطل، ومن الأكل بالباطل أن يقضي القاضي لك وأنت تعلم أنّك مبطل، فالحرام لا يصير حلالا بقضاء القاضي، لأنّه إنّما يقضي بالظّاهر، وهذا إجماع في الأموال. [إلى أن قال:]

الثّالثة: وهذه الآية متمسّك كلّ مؤالف ومخالف في كلّ حكم يدعونه لأنفسهم بأنّه لا يجوز، فيستدلّ عليه بقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ؛ فجوابه أن يقال له: لا نسلّم أنّه باطل حتّى تبيّنه بالدّليل، وحينئذ يدخل في هذا العموم، فهي دليل على أنّ الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيين الباطل.

أبو حيّان: مناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أنّ من يعبد اللّه تعالى بالصّيام فحبس نفسه عمّا تعوّده من الأكل والشّرب والمباشرة بالنّهار، ثمّ حبس نفسه بالتّقييد في مكان تعبّد اللّه تعالى صائما له ممنوعا من اللّذّة الكبرى باللّيل والنّهار، وجدير أن لا يكون مطعمه ومشربه إلّا من الحلال الخالص الّذي ينوّر القلب ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة، فلذلك نهى عن أكل الحرام المضيّ به إلى عدم قبول عبادته من صيامه واعتكافه.

وتخلّل أيضا بين آيات الصّيام آية إجابة سؤال الدّاعي وسؤال العباد اللّه تعالى، وقد جاء في الحديث: أنّ من كان مطعمه حراما وملبسه حراما. ومشربه حراما، ثمّ سأل اللّه، أنّى يستجاب له. فناسب أيضا النّهي عن أكل المال الحرام.

ويجوز أن تكون المناسبة أنّه لمّا أوجب عليهم الصّوم كما أوجبه على من كان قبلهم، ثمّ خالف بين أهل الكتاب وبينهم، فأحلّ لهم الأكل والشّرب والجماع في ليالي الصّوم، أمرهم أن لا يوافقوهم في أكل الرّشاء من ملوكهم وسفلتهم، وما يتعاطونه من الرّبا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت