المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 137
السّامع إلى كلّ مذهب. إلّا أنّه قد سبق في الآية (18) أنّ خزنتها هم المرحّبون بهم. وفيه إذن لهم ودعوة منهم بالدّخول تكريما، مع تبشيرهم بأنّها دار سلامة وأمن لهم، أو المراد:"قولوا: سلاما".
ثمّ وصف حالتهم النّفسيّة- ثالثا- بأن نزع اللّه بماله من العزّة والجلال ما في قلوبهم من غلّ: (نزعنا) . وهذا ممّا رسب في نفوسهم من دار الدّنيا لتطييب نفوسهم عند دخول الجنّة.
ثمّ تبشيرهم- رابعا- بأنّهم بما فيهم من تقوى القلب وطيب النّفس، سوف يكونون في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين، أي يستأنس بعضهم ببعض، ويحدّث بعضهم بعضا.
وخامسا- بأنّهم لا يمسّهم نصب ممّا ابتلوا به في حياتهم الدّنيا.
وسادسا- بأنّهم فيها مخلّدون لا يخرجون منها أبدا.
وهذه الأوصاف تبيان لما مضى في (18) : وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. وقد ختمت هذه الآيات بأوصاف للّه تعمّ الفريقين نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ الحجر: 49، 50، تقديما لجزاء المتّقين على عقاب المكذّبين.
أمّا الثّلاث الّتي بعدها- (21) إلى (23) - فذات مضمون واحد وألفاظ متقاربة؛ حيث قيل لهم:
ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ،* فركّز فيها في ثلاثة عناصر: أمرهم بدخول أبوابها، ووعيدهم بأنّهم خالدون فيها، وأنّها بئس مثوى المتكبّرين، إعلاما بأنّ رذيلة الكبر ألجأتهم إلى الكفر باللّه الرّحيم، وجرّتهم إلى عذاب الجحيم.
وهذا السّياق الواحد المتكرّر في القرآن في هذه الآيات الثّلاث، من أشدّ وأقسى التّهديد والوعيد، وصيغة الجمع في"الأبواب"للتّكثير والتّهويل.
أمّا الآية الأخيرة- (24) - فتمتاز من بينها باختصاصها بالمنافقين والمنافقات الّذين يتذبذبون بين الفريقين: المؤمنين والكافرين. ولنستوعب مغزى الآية، فنمرّ على ما قبلها، وهي تصف موقف المؤمنين والمؤمنات وهم في طريقهم إلى الجنّة، فتقول: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الحديد:
12، وتلتها هذه الآية في شأن المنافقين والمنافقات، حيث ينظرون إلى المؤمنين والمؤمنات ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، فيقولون لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، فيقال لهم: ارجعوا وراءكم، أي إلى الدّنيا فالتمسوا نورا.
وهذا استهزاء منهم، لأنّه لا رجوع من الآخرة إلى الدّنيا، كما كانوا يستهزئون بالمؤمنين في الدّنيا، ولا شكّ أنّه نور الإيمان الّذي اكتسبه المؤمنون والمؤمنات في الدّنيا، ولم يكتسبه المنافقون والمنافقات. وبعد أن يئسوا من اقتباس النّور ليواصلوا طريقهم إلى الجنّة في ظلمات المحشر، ضرب بين الفريقين سور له باب، باطنه فيه الرّحمة- وهو جانب المؤمنين- وظاهره- من قبله العذاب وهو جانب المنافقين- من قبله العذاب. فلكلّ