المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 624
الّذين أدركوا الصّحابة، بل عمّمها القرآن إلى المؤمنين مرّات وكرّات. وقد دلّت الآية على أمور:
الأوّل: أنّ السّابقين من المهاجرين والأنصار كانت طريقتهم حسنة مرضيّة، فرضي اللّه عنهم ورضوا عنه، حتّى استحقّوا أن يتّبعهم الآخرون، فتكون سيرتهم عبرة ونموذجا ومثالا لمن بعدهم، وفيهم أسوة للمؤمنين جميعا. ويؤيّده وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ الجمعة: 3، ووَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ الحشر: 10، وفيهما تصريح بعدم إدراك التّابعين للسّابقين من المهاجرين والأنصار، إلّا أنّهم لحقوا بهم واعترفوا بسبقهم بالإيمان.
أمّا قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ الأنفال: 75، فصريح فيمن آمن بعدهم وهاجر وجاهد معهم، فليس أولئك تابعين لهم فحسب، بل يعدّون منهم.
الثّاني: أنّ هذه الآية خصّت هذه الفضيلة بالسّابقين من المهاجرين والأنصار، وعمّت آيات أخرى جميع المهاجرين والأنصار، مثل: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال: 74، لاحظ"ن ص ر"و"س ب ق"و"ه ج ر"و"ج ه د".
ومثلها آية التّوبة: 20 الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، وقد نزلت أخيرا بعد غزوة تبوك، ووصفوا ب (الفائزون) ، والأولى نزلت قديما بعد غزوة بدر، وقد وصفوا ب (المؤمنون حقّا) ، كما وصفوا في آية الحجرات الآتية ب (الصّادقون) ، واشترط فيها جميعا الهجرة والجهاد في سبيل اللّه، وذكر في الأولى وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا دون الثّانية.
الثّالث: أنّ أمثال هذه الفضائل لا تشمل كلّ من أسلم وصحب النّبيّ حتّى يقال إطلاقا: الصّحابة عدول، كيف وقد ثبت في جماعة منهم ما يرفضه. وقد تلا هذه الآية بالذّات قوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ...
واشتبكت آيات المهاجرين والأنصار مع آيات المنافقين- ميزا بين الفريقين وأنّ أحدهما لا يختلط بالآخر- في المدنيّات، ولا سيّما في التّوبة، والمائدة، وهما من أخريات السّور نزولا؛ حيث توحي إلينا أنّ الإسلام كلّما توسّع، وزاد عدد المسلمين، وقرب انقطاع الوحي، ودنا أفول شمس النّبوّة، زاد النّفاق بين العرب والمسلمين. فلا عبرة بمجرّد الصّحبة إلّا بمن ثبت إيمانه حقّا، وليسوا هم كلّ من رأى النّبيّ وصحبه.
كيف وقد نطق الكتاب بالفرق بين من أسلم لسانا، وبين من آمن قلبا؛ حيث قال: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ... إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الحجرات: 14، 15، لاحظ تفصيل هذا البحث في"ه ج ر"و"ج ه د"و"ن ص ر".
ه- يغلب على الصّيغ الثّلاث: تبع، وأتبع، والتّبع مجيئها في سياق التّرغيب أو التّرهيب وما يناسبهما، فهي