فهرس الكتاب

الصفحة 3404 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 7، ص: 695

فإنّ التّراب لا ينبت إلّا بالماء، ففي النّبات الّذي هو أصل غذاء الإنسان تراب وماء، فإن جعل التّراب أصلا والماء لجمع أجزائه المتفتّة فالأمر كذلك، وإن جعل الأصل هو الماء والتّراب لتثبيت أجزائه الرّطبة من السّيلان فالأمر كذلك.

فإن قال قائل: اللّه تعالى يعلم كلّ شي ء، فهو يعلم أنّ الأصل ما ذا هو منهما، وإنّما الأمر عندنا مشتبه يجوز هذا وذاك. فإن كان الأصل هو التّراب فكيف قال:

مِنَ الْماءِ بَشَرًا الفرقان: 54، وان كان الماء فكيف قال: خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ وإن كاناهما أصلين فلم لم يقل:"خلقكم منهما"؟

فنقول: فيه لطيفة، وهي أنّ كون التّراب أصلا والماء أصلا والماء ليس لذاتيهما، وإنّما هو بجعل اللّه تعالى، فإن اللّه نظرا إلى قدرته كان له أن يخلق أوّل ما يخلق الإنسان، ثمّ يفنيه ويحصل منه التّراب، ثمّ يذوبّه ويحصل منه الماء، لكنّ الحكمة اقتضت أن يكون النّاقص وسيلة إلى الكامل، لا الكامل يكون وسيلة إلى النّاقص، فخلق التّراب والماء أوّلا، وجعلهما أصلين لمن هو أكمل منهما، بل للّذي هو أكمل من كلّ كائن وهو الإنسان، فإن كان كونهما أصلين ليس أمرا ذاتيّا لهما بل بجعل جاعل، فتارة جعل الأصل التّراب وتارة الماء، ليعلم أنّه بإرادته واختياره، فإن شاء جعل هذا أصلا، وإن شاء جعل ذلك أصلا، وإن شاء جعلهما أصلين.

المسألة الثّالثة: قال الحكماء: إنّ الإنسان مركّب من العناصر الأربعة، وهي: التّراب والماء والهواء والنّار، وقالوا: التّراب فيه لثباته، والماء لاستمساكه، فإنّ التّراب يتفتّت بسرعة، والهواء لاستقلاله كالزّقّ المنفوخ يقوم بالهواء، ولو لاه لما كان فيه استقلال ولا انتصاب. والنّار للنّضج والالتئام بين هذه الأشياء، فهل هذا صحيح أم لا؟ فإن كان صحيحا فكيف اعتبر الأمرين فحسب، ولم يقل في موضع آخر: إنّه خلقكم من نار ولا من ريح؟

فنقول: أمّا قولهم: فلا مفسدة فيه من حيث الشّرع، فلا ننازعهم فيه إلّا إذا قالوا: بأنّه بالطّبيعة كذلك.

وأمّا إن قالوا: بأنّ اللّه بحكمته خلق الإنسان من هذه الأشياء فلا ننازعهم فيه.

وأمّا الآيات فنقول: ما ذكرتم لا يخالف هذا، لأنّ الهواء جعلتموه للاستقلال والنّار للنّضج، فهما يكونان بعد امتزاج الماء بالتّراب، فالأصل الموجود أولاهما لا غير، فلذلك خصّهما، ولأنّ المحسوس من العناصر في الغالب هو التّراب والماء، ولا سيّما كونهما في الإنسان ظاهر لكلّ أحد، فخصّ الظّاهر المحسوس بالذّكر.

نحوه النيسابوريّ (21: 28) ملخّصا، وأبو حيّان (7: 166) ، ومحمّد علي طه (11: 75) .

الشّربينيّ: أَنْ خَلَقَكُمْ أي أصلكم، وهو آدم عليه السّلام، مِنْ تُرابٍ لم يكن له أصلا اتّصاف ما بحياة، أو أنّه خلقكم من نطفة، والنّطفة من الغذاء، والغذاء إنّما يتولّد من الماء والتّراب. (3: 162)

البروسويّ: أَنْ خَلَقَكُمْ يا بني آدم في ضمن خلق آدم، لأنّه خلقه منطويا على خلق ذرّيّاته انطواء إجماليّا، والخلق عبارة عن تركيب الأجزاء وتسوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت