المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 370
ليس منّة منه عليها؛ إذ هو"أجر"وليس في الدّنيا أجر كامل موف للعمل، وهو لا أكثر من كونه جبر حال على غير استواء، وفي هذا الاستعمال للفظة"الأجر"بمعنى المهر أيضا إشعار للمرأة أن تصون نفسها، وألّا تتّجر بجسدها؛ إذ ما من"أجر"يوفّي حقّ ذلك. فعليها أن تطلب الجزاء التّامّ الكامل، وهذا ممّا لا يقوم له"أجر"في الدّنيا، فلتنظر إلى ربّها سبحانه وتعالى، فعنده ذلك الجزاء التّامّ الكامل الّذي هو"الأجر الأخرويّ".
وهذا لا يعني أنّ عليها أن تمتنع عن قبول المهر، أو عن قبول الزّواج، وإنّما عليها أن تقتنع أنّ الأصل هو"الجزاء الأخرويّ"على ما تبذل من جسدها ونفسها لزوجها ولبيتها. وباستصغار المهر مهما غلا يتولّد في النّفس عزوف عنه، واكتفاء بما قلّ منه، وعدم اشتراط المادّيّة فيه؛ حيث إنّ هذه الرّؤية ستولّد في النّفوس الولوع بالمهور الّتي لها ناتج أخرويّ حسن، كقراءة القرآن أو ما إليه ممّا ألفه العابدون الزّاهدون، وتمكّن منه فقراء المسلمين الصّالحين.
ثمّ هو من ناحية أخرى رفع من شأن المرأة، ومن شأن علاقتها المقدّسة بزوجها، والّتي ما تحقّقت إلّا بكلمة"أجر"، وهذا الأجر ليس ثمنها ولا ثمن جسدها، ولا ثمن ما ستبذله من جسدها ونفسها زوجا وأمّا، وإنّما هو"رمز"إلى ذلك كلّه، وأجر مساو إلى ذلك، فلا يستطاع أداؤه في الدّنيا، فتكون العلاقة بكلّ تفاصيلها وجزئيّاتها قربة إلى اللّه سبحانه وتعالى.
الثّالث- وقد استعمل القرآن العزيز هذه اللّفظة بمشتقّاتها المتنوّعة"108"مرّات، ليس فيها إلّا ثلاثة أفعال وردت في آيتين متتاليتين، في سورة واحدة:
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ* قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ القصص 26، 27.
فورد فعل الأمر أوّلا، ثمّ فعل الماضي، ثمّ فعل المضارع. فيتبادر إلى الذّهن أنّه من قبيل التّسلسل الطّبيعيّ لتطوّر الأفعال في العربيّة على ما يذهب إليه جمهور علماء اللّغة، إلّا أنّه احتمال ضعيف لا يطابق الواقع، لأنّ فعل الأمر ليس مقدّما في التّسلسل الطّبيعيّ، على أنّ الأمر والماضي من باب الاستفعال، والمضارع من الثّلاثيّ، وليس بينهما تسلسل طبيعيّ. وسائر ما ورد من هذه المادّة فإنّما هو الإسم.
الرّابع- وممّا يلفت النّظر أنّ عدد مرّات ورود لفظ"أجر"الّذي هو- في الوقت نفسه- أصل هذه المادّة اللّغويّة بلغ"40"مرّة، وهذا العدد ذاته هو عدد السّور الّتي ورد فيها"أجر"ومشتقّاته جميعا. كذا قيل؛ إلّا أنّ الفرق بين"أجر"و"أجرا"لا وجه له كما أنّ عدد السّور"39"لا"40"فلاحظ.
الخامس- ثمّ إنّ كلمة (أجرا) وردت"27"مرّة، ومجموع (أجره، أجرها، أجرهم، أجرى) "26"مرّة، غير أنّ لفظة (اجرها) الواردة مرّة واحدة قد ضوعفت في: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا الأحزاب: 31.