المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 558
الزّرع والأشجار به، لأنّ جنّات الآخرة وثمارها لا تنبت بماء السّماء، بل هي مخلوقة من أعمال العباد الصّالحين، كما جاء في الأحاديث ويستظهر من الآيات.
2 -وليس في الآيات الكثيرة بشأن الجنّة والجنّات في الآخرة ذكر لأشجارها وأنواعها، كما جاء في جنّات الدّنيا، إلّا من طريق الثّمار كما يأتي، رغم أنّه جاء ذكر الشّجر والشّجرة في الجحيم مرّات: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ* طَعامُ الْأَثِيمِ الدّخان: 43، 44 ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ* لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ الواقعة: 51، 52، ونحوهما، وكلّها ذمّ. نعم جاء ذكر الشّجرة مرّات في الجنّة الّتي أخرج منها آدم وزوجه بالأكل منها، وقد نهيا عنها: وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ البقرة: 35، وسياقها الذّمّ أيضا، لاحظ (ش ج ر) .
3 -ولم يرد فيها اسم الثّمار أيضا إلّا مرّتين رويّا:
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا* حَدائِقَ وَأَعْنابًا النّبأ: 31، 32، وفِيهِما- أي في الجنّتين- فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ الرّحمن: 68. بينما جاء في (6) : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا، أي أنّ ثمار الجنّة شبيهة بثمار الدّنيا. وجاء في (7) : وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، أي الثّمرات الّتي عرفوها، وأكلوها في الدّنيا، فالدّنيا مرآة الآخرة، والجزاء مسانخ للعمل. ويبدو أنّ التّركيز في تشابهها لما رزقوا من قبل في الدّنيا، لمزيد التّرغيب في العمل، وتذكار بما التذّوا بأكله وطعمه ورؤيته وألوانه وأنواعه، لاحظ (ش ب ه) .
4 -اختلفوا في (6) : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا، أتكون"من"الثّانية بدلا من الأولى، وكلاهما لابتداء الغاية، مثل: كلّما أكلت من بستانك من الرّمّان، أي كلّما رزقوا من الجنّات من أيّ ثمرة كانت؛ من تفّاحها أو رمّانها أو عنبها؟ وقد أوضحه الزّمخشريّ. وعليه فكلتاهما: الأولى والثّانية متعلّق ب (رزقوا) على سبيل بدل الاشتمال، فهي من قبيل كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها الحجّ: 22، على أظهر الاحتمالين فيها.
أو"من"هذه للتّبيين، مثل: رأيت منك أسدا، أي هي بيان ل"منها". وأورد عليه أبو حيّان:
أوّلا: بأنّ مجي ء"من"للبيان ليس مذهب المحقّقين من أهل العربيّة، وهي في"رأيت منك أسدا"لابتداء الغاية.
وثانيا: بأنّ"من"البيانيّة يجب أن يكون قبلها اسم معرفة أو نكرة، مثل: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ الحجّ: 30، و"من يضرب من رجل"، وليس هنا قبلها اسم لا معرفة ولا نكرة، وكونها بيانا لما بعدها (رزقا) ينبغي أن ينزّه كلام اللّه منه.
أو هي للتّبعيض، لأنّهم يرزقون بعض الثّمرات في كلّ وقت لا كلّها. وهذا هو الأقرب عندنا.
5 -ثمّ اختلفوا في المراد ب"ثمرة"، أهي الجنس والنّوع، أو الشّخص، يعني من أيّ نوع من الثّمرة، أو أيّ فرد منها؟ رجّح الزّمخشريّ النّوع بناء على كون"من"لابتداء الغاية، والفرد بناء على كونها بيانيّة، وهو المناسب للتّبعيض. إلّا أنّ الأظهر هو الأوّل بناء على