المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 481
منها، وهما الرّقمان (3) و (4) ففيهما نفي أو نهي.
ثانيا: أنّ السّياق فيها جميعا ذمّ أو نحوه، كما في (2) و (4) ، وليس فيها تفاؤل.
ثالثا: أنّ اثنتان منها حكاية، وهما (1) و (2) ، وموضوعهما أخوان وفتيان، واثنتان مثل، وهما (3) و (5) ، وموضوعهما رجلان، وواحدة تشريع، وموضوعها أبوان.
رابعا: أنّ كلّ من (احدهما) و (احداهما) - كما يأتي- جاء في القرآن خمس مرّات مع اختلاف السّياق.
الثّامن- وجاء مضافا إلى ضمير المتكلّم مع الغير مرّة واحدة:
قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ يوسف: 78
يلاحظ أنّ السّياق كلّه عاطفيّ، يتضمّن العزّة للملك أوّلا، وأنّه من المحسنين آخرا، وذكر الأبوّة والشّيخوخة للأب، وتفاني الذّات من جانب كلّ واحد من الإخوة، فإنّ (خذ احدنا مكانه) يوحي بأنّ كلّ واحد منهم مستعدّ لأن يكون رهينة عند يوسف، مكان أخيهم لا من أجله، بل رعاية لأبيه الشّيخ الكبير. ف (احدنا) يفيد الشّمول البدليّ تأكيدا على أنّه لا فرق بين أحد من الإخوة في الفداء بنفسه لأخيهم. إلّا أنّ السّياق ينقلب فيما بعد إلى مجابهة صارمة، وعدل بلا هوادة أمام هذه العاطفة الجيّاشة تجاه الأب الشّيخ الكبير، والطّفل الأسير الذي باعد الدّهر بينه وبين أبيه الّذي ابيضّت عيناه من الحزن، لأخيه يوسف من قبل.
إذ قال العزيز: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا يوسف: 79، معتذرا بأنّ العدل لا يعرف العاطفة والقاضي العادل هنا كاد أن يكون أعمى، وأنّ من لا يعدل فهو من الظّالمين، فاستيأسوا منه.
وهذا أيضا نظير (أحد عشر) سياق لم يتكرّر في القرآن، وهو لفظ واحد في موضع ألفاظ وكلمات شتّى، ومن أجل ذلك ف (أحدنا) تصدّر أوج البلاغة، فلا نجد لفظا آخر يحلّ محلّه، ويفي بحقّه، ولعلّه جاء منفردا في القرآن، ولم يكرّر لهذا السّبب.
التّاسع- وجاء مضافا إلى ضمير تثنية الحاضر مرّة واحدة:
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا
يوسف: 41
يلاحظ أنّه كلفظي (احد عشر) و (احدنا) أيضا، إذ لم يكرّر في القرآن لنكتة بليغة مثلهما، وهي أنّ مصداق (احدكما) معيّن عند يوسف، لكنّه أبهمه رعاية لأحاسيس الفتيين، ولا سيّما الفتى الآخر الّذي سيصلب، فتأكل الطّير من رأسه. فلو قال للأوّل: أمّا أنت فتسقي ربّك خمرا، فهو كالتّصريح بأنّ صاحبه هو الّذي ينتظره الصّلب وأكل الطّير من رأسه، وهذا ما لا يرضى به يوسف، فيواجهه به، وأوكل ذلك إليه، ليقف عليه خلال التّأويل من دون تصريح به من قبل يوسف.
ولعلّه لم يبادر إلى تأويل رؤياهما في البداية لهذا السّبب أيضا، فأخّره إلى إنبائهما بنوع الطّعام الّذي يرزقانه قبل إتيانه، استنادا إلى ما علّمه ربّه، ليتخلّى هو عن عهدة التّأويل النّكد المشئوم للثّاني، وعن إبانة الفرق بين الفتيين، حيث أنبأ أحدهما بعاقبة سعيدة، والآخر