المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 460
والثّانية ظرف ل (منوعا) والوصفان- على ما اختاره بعض الأجلّة- صفتان كاشفتان ل (هلوعا) الواقع حالا ... وقال غير واحد: الأوصاف الثّلاثة أحوال ..."والوجهان جاز تطبيقهما على قول الطّبرسيّ، ونظيره قول القرطبيّ:"إنّهما وصفان ل"هلوع"على أن ينوى بهما التّقديم قبل (اذا) ، وقيل: هو خبر كان مضمرة"."
3 -في الآية- كأمثالها- كلام بين الأشاعرة والمعتزلة، لأنّ ظاهرها الجبر، فالتزم به الأشاعرة المعبّر عنهم بأهل السّنّة، وأوّلها المعتزلة، كما صرّح به النّيسابوريّ وغيره.
وقال الزّمخشريّ، وهو ناطق المعتزلة في هذه المباحث:
"و المعنى أنّ الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكّنهما منه ورسوخهما فيه، كأنّه مجبول عليهما مطبوع، وكأنّه أمر خلقيّ وضروريّ غير اختياريّ، كقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ الأنبياء: 37".
وعليه فأمثال هذه الآيات استعارة ومبالغة في ذمّ الإنسان لاتّباع شهواته، كأنّها طبيعة جبل عليها.
وليس المراد ما ينتهي إلى الجبر، وإلّا لا مجال للذّمّ والعقاب. ويوافقه ظاهر كلام الفخر الرّازيّ- وهو ناطق الأشاعرة- فلاحظ.
4 -ومن أجل هذا الخلاف بينهم قالوا: هذه الأوصاف الثّلاثة أحوال مقدّرة، لأنّ المراد بها ما يتعلّق بها الذّمّ والعقاب، وهو ما يدخل تحت التّكليف والاختيار بعد البلوغ؛ أو محقّقة لأنّها طبائع جبل عليها الإنسان فلا تتغيّر.
5 -أثار الفخر الرّازيّ سؤالا: حاصل الكلام أنّ الإنسان نفور عن المضارّ طالب للرّاحة، وهذا هو اللّائق بالعقل، فلم ذمّه اللّه؟
وأجاب بأنّه إنّما ذمّه لأنّه قاصر النّظر على الأحوال الجسمانيّة العاجلة، مشغول عن أحوال الآخرة، والواجب عليه الرّضا بكلّ ما يصيبه من مرض أو فقر، لعلمه بأنّ اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وإذا وجد المال والصحّة صرفهما إلى طلب السّعادات الأخرويّة. وفيه جمع بين المذهبين.