فهرس الكتاب

الصفحة 5153 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 605

الخوف، فلا يستطيعون أن يقفوا على وليّ ومؤنس يطوي الهموم، ولا يجدون شريكا للنّشاطات الاجتماعيّة، ولا معينا ونصيرا ليوم الشّدّة.

ولا بأس بالالتفات إلى هذه اللّطيفة، وهي أنّ المراد من"الظّنّ"هنا هو الظّنّ الّذي لا يستند إلى دليل، فعلى هذا إذا كان الظّنّ في بعض الموارد مستندا إلى دليل فهو ظنّ معتبر، وهو مستثنى من هذا الحكم كالظّنّ الحاصل من شهادة نفرين عادلين.

2 -لا تجسّسوا

رأينا أنّ القرآن يمنع جميع أنواع التّجسّس بصراحة تامّة، وحيث إنّه لم يذكر قيدا أو شرطا في الآية، فيدلّ هذا على أنّ التّجسّس في أعمال الآخرين والسّعي إلى إذاعة أسرارهم إثم، إلّا أنّ القرائن الموجودة داخل الآية وخارجها تدلّ على أنّ هذا الحكم متعلّق بحياة الأفراد الشّخصيّة والخصوصيّة.

ويصدق هذا الحكم أيضا في الحياة الاجتماعيّة في صورة أن لا يؤثّر في مصير المجتمع. لكن من الواضح أنّه إذا كان لهذا الحكم علاقة بمصير المجتمع أو مصير الآخرين، فإنّ المسألة تأخذ طابعا آخر، ومن هنا فإنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد أعدّ أشخاصا وأمرهم أن يكونوا عيونا لجمع الأخبار واستكشاف المجريات واستقصائها، ليحيطوا بما له علاقة بمصير المجتمع.

ومن هذا المنطلق أيضا يمكن للحكومة الإسلاميّة أن تتّخذ أشخاصا يكونون عيونا لها أو منظّمة واسعة للإحاطة بمجريات الأمور وأن يواجهوا المؤامرات ضدّ المجتمع، أو إرباك الوضع الأمنيّ في البلاد، فيتجسّسوا للمصلحة العامّة حتّى لو كان ذلك في داخل الحياة الخاصّة للأفراد.

إلّا أنّ هذا الأمر لا ينبغي أن يكون ذريعة لهتك حرمة هذا القانون الإسلاميّ الأصيل، وأن يسوّغ بعض الأفراد لأنفسهم أن يتجسّسوا في حياة الأفراد الخاصّة، بذريعة التّآمر والإخلال بالأمن فيفتحوا رسائلهم مثلا، وأن يراقبوا الهاتف، ويهجموا على بيوتهم بين حين وآخر.

والخلاصة: أنّ الحدّ بين التّجسّس وجمع الأمور الضّروريّة لحفظ أمن المجتمع دقيق وظريف جدّا.

وينبغي على مسؤولي إدارة الأمور الاجتماعيّة أن يراقبوا هذا الحدّ بدقّة، لئلّا تهتك حرمة أسرار النّاس، ولئلّا يتهدّد أمن المجتمع والحكومة الإسلاميّة. (16: 505)

الأصول اللّغويّة

1 -الأصل في هذه المادّة الجسّ، وهو لمس الشّي ء لتعرّف ما فيه، يقال: جسّه بيده، يجسّه جسّا واجتسّه، أي مسّه ولمسه، والمجسّة: الموضع الّذي تقع عليه يده إذا جسّه، وما يجسّه الطّبيب أيضا، وهو المجسّ. يقال مجازا: فلان ضيّق المجسّ، وفي مجسّه ضيق، إذا لم يكن واسع الصّدر.

والجواسّ: الحواسّ، وهي اليدان والعينان والفم والأنف والأذن، واحدتها: جاسّة، وفي المثل:"أفواهها مجاسّها"، لأنّ الإبل إذا أحسنت الأكل، اكتفى النّاظر بذلك في معرفة سمنها من أن يجسّها، وجسّ الشّخص بعينه: أحدّ النّظر إليه ليستبينه ويستثبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت