المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 100
قول الرّضيّ وغيره- استعارة، والأصل المستعار منه جناحا الطّائر.
وقيل: الجناح هنا هو الجيب، والمراد إدخال يده في جيبه، كما جاء في صدر (7) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ.
وقيل: الجناحان: اليدان، لأنّ اليدين في الإنسان بمنزلة الجناحين للطّائر. كما قيل: (إلى) بمعنى"مع"أي مع جناحك كما جاء في ذيل (7) وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ.
ونحن قد بيّنّا الفرق اللّطيف البليغ بين الآيات الثّلاث: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ واسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ وأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ النّمل: 12، في"ب ي ض: البيضاء"فلاحظ. وعلى كلّ حال فالمراد إدخال يده اليمنى إلى جناحه الأيسر كما جاء في النّصوص. فليس المراد بالجناح هنا اليد ولا (إلى) بمعنى"مع".
الثّاني: وجاء في (7) ضمّ جناحه إليه من الرّهب، وقد اختلفوا في تفسيرها على وجوه:
1 -اضمم يدك إلى جناحك أو أدخل يدك إلى إبطك.
2 -اضمم يدك إلى صدرك.
3 -أدخل يدك في جيبك، فهو بمعنى أسلك يدك في جيبك.
4 -المراد بالجناح: العصا، لأنّه بمنزلة الجناح يدفع بها عن نفسه، كدفع الطّائر عن نفسه بجناحيه.
5 -المراد بالجناح- وهو مفرد- جناحاه وهما يداه، كما أريد ب (عضدك) في سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ القصص: 35، عضداه، لأنّ موسى لمّا ألقى عصاه وصارت حيّة بسط يديه كالمتّقي، وهما جناحاه فقيل له: اضمم إليك ما بسطته من يديك، والمعنى لا تبسط يديك خوف الحيّة فإنّك آمن من ضررها.
6 -اسكن ولا تخف، فإنّ من هاله أمر أزعجه كأنّه يطير وآلة الطّيران الجناح، فكأنّه بلغ نهاية الخوف، فقيل له: ضمّ منشور جناحك من الخوف واسكن وضمّهما إلى نفسك، قاله الطّبرسيّ. وهذا موافق لما قيل:
المراد أن يجمع يديه على صدره إذا عرضه الخوف عند مشاهدة انقلاب العصا حيّة ليزول خوفه.
وردّ الطّباطبائيّ هذين الوجهين"بأنّهما مبنيّان على جعل وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ من تتمّة يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ القصص: 31، وهذا لا يلائم تخلّل اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ بين الجملتين بالفصل من غير عطف، ثمّ احتمل وجهين للآيتين".
7 -هذه الجملة كناية عن الأمر بالعزم على ما أراده اللّه منه، والجدّ في أمر الرّسالة، لئلّا يمنعه ما يغشاه من الخوف.
8 -المراد بها أن يأخذ لنفسه سيماء الخاشع للتّواضع، فإنّ من دأب المتكبّر المعجب بنفسه أن يفرّج بين عضديه وجنبيه كالمتمطّي في مشيته، فيكون في معنى (5) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ونقول: تفسير هذه الجملة موقوف على عرض الآيات تماما يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ* وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ* اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ