فهرس الكتاب

الصفحة 6004 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 553

والسّلام: أنتم المقرّبون إلى اللّه يوم القيامة.

وعن السّدّيّ قال: تدعى الأمم يوم القيامة بأنبيائها، فيقال: يا أمّة موسى، ويا أمّة عيسى، ويا أمّة محمّد، غير المحبّين منهم، فإنّهم ينادون: يا أولياء اللّه. وفي بعض الكتب"عبدي أنا وحقّك لك محبّ فبحقّي عليك كن لي محبّا".

واعلم أنّ الأمّة وإن اتّفقوا في إطلاق هذه اللّفظة، لكنّهم اختلفوا في معناها، فقال جمهور المتكلّمين: إنّ المحبّة نوع من أنواع الإرادة، والإرادة لا تعلّق لها إلّا بالجائزات، فيستحيل تعلّق المحبّة بذات اللّه تعالى وصفاته. فإذا قلنا: نحبّ اللّه، فمعناه نحبّ طاعة اللّه وخدمته، أو نحبّ ثوابه وإحسانه.

وأمّا العارفون فقد قالوا: العبد قد يحبّ اللّه تعالى لذاته، وأمّا حبّ خدمته أو حبّ ثوابه فدرجة نازلة.

واحتجّوا بأن قالوا: إنّا وجدنا أنّ"اللّذّة"محبوبة لذاتها، و"الكمال"أيضا محبوب لذاته.

أمّا اللّذّة فإنّه إذا قيل لنا: لم تكتبسون؟ قلنا: لنجد المال، فإذا قيل: ولم تطلبون المال؟ قلنا: لنجد به المأكول والمشروب. فإن قالوا: لم تطلبون المأكول والمشروب؟

قلنا: لتحصل اللّذّة ويندفع الألم. فإذا قيل لنا: ولم تطلبون اللّذّة وتكرهون الألم؟ قلنا: هذا غير معلّل، فإنّه لو كان كلّ شي ء إنّما كان مطلوبا لأجل شي ء آخر، لزم إمّا التّسلسل، وإمّا الدّور، وهما محالان، فلا بدّ من الانتهاء إلى ما يكون مطلوبا لذاته. وإذا ثبت ذلك فنحن نعلم أنّ اللّذّة مطلوبة الحصول لذاتها، والألم مطلوب الدّفع لذاته، لا لسبب آخر.

وأمّا الكمال فلأنّا نحبّ الأنبياء والأولياء لمجرّد كونهم موصوفين بصفات الكمال. وإذا سمعنا حكاية بعض الشّجعان مثل رستم، واسفنديار، واطّلعنا على كيفيّة شجاعتهم، مالت قلوبنا إليهم، حتّى أنّه قد يبلغ ذلك الميل إلى إنفاق المال العظيم في تقرير تعظيمه، وقد ينتهي ذلك إلى المخاطرة بالرّوح، وكون اللّذّة محبوبة لذاته لا ينافي كون الكمال محبوبا لذاته.

إذا ثبت هذا فنقول: الّذين حملوا محبّة اللّه تعالى على محبّة طاعته أو على محبّة ثوابه، فهؤلاء هم الّذين عرفوا أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها، ولم يعرفوا أنّ الكمال محبوب لذاته.

أمّا العارفون الّذين قالوا: إنّه تعالى محبوب في ذاته ولذاته، فهم الّذين انكشف لهم أنّ الكمال محبوب لذاته، وذلك لأنّ أكمل الكاملين هو الحقّ سبحانه وتعالى، فإنّه لوجوب وجوده، غنيّ عن كلّ ما عداه، وكمال كلّ شي ء فهو مستفاد منه، وأنّه سبحانه وتعالى أكمل الكاملين في العلم والقدرة.

فإذا كنّا نحبّ الرّجل العالم لكماله في علمه والرّجل الشّجاع لكماله في شجاعته والرّجل الزّاهد لبراءته عمّا لا ينبغي من الأفعال، فكيف لا نحبّ اللّه وجميع العلوم بالنّسبة إلى علمه كالعدم، وجميع القدر بالنّسبة إلى قدرته كالعدم، وجميع ما للخلق من البراءة عن النّقائص بالنّسبة إلى ما للحقّ من ذلك كالعدم، فلزم القطع بأنّ المحبوب الحقّ هو اللّه تعالى، وأنّه محبوب في ذاته ولذاته، سواء أحبّه غيره أو ما أحبّه غيره.

واعلم أنّك لمّا وقفت على النّكتة في هذا الباب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت