فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 234
المسألة الرّابعة: في تحقيق المحاربة:
وهي إشهار السّلاح قصد السّلب، مأخوذ من الحرب، وهو استلاب ما على المسلم بإظهار السّلاح عليه، والمسلمون أولياء اللّه بقوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا يونس: 62، 63، وقد شرح ذلك مالك شرحا بالغا فيما رواه ابن وهب عنه، قال ابن وهب: قال مالك: المحارب الّذي يقطع السّبيل وينفّر بالنّاس في كلّ مكان، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا، إذا ظهر عليه يقتل؛ وإن لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل، أو الصّلب، أو القطع، أو النّفي. قال مالك: والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته سواء. وإن استخفى بذلك، وظهر في النّاس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السّبيل أو قتل، فذلك إلى الإمام، يجتهد أيّ هذه الخصال شاء. وفي رواية عن ابن وهب: أنّ ذلك إن كان قريبا وأخذ بحدثانه فليأخذ الإمام فيه بأشدّ العقوبة، وفي ذلك أربعة أقوال:
الأوّل: ما تقدّم ذكره لمالك.
الثّاني: أنّها الزّنى والسّرقة والقتل، قاله مجاهد.
الثّالث: أنّه المجاهر بقطع الطّريق والمكابر باللّصوصيّة في المصر وغيره، قاله الشّافعيّ ومالك في رواية والأوزاعيّ.
الرّابع: أنّه المجاهر في الطّريق لا في المصر، قاله أبو حنيفة وعطاء.
المسألة الخامسة: في التّنقيح:
أمّا قول مجاهد فساقط، إلّا أن يريد به أن يفعله مجاهرة مغالبة، فإنّ ذلك أفحش في الحرابة.
قال القاضي رضي اللّه عنه: لقد كنت أيّام تولية القضاء قد رفع إليّ قوم خرجوا محاربين إلى رفقة، فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها فاحتملوها، ثمّ جدّ فيهم الطّلب فأخذوا وجي ء بهم، فسألت من كان ابتلاني اللّه به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين، لأنّ الحرابة إنّما تكون في الأموال لا في الفروج. فقلت لهم: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون! ألم تعلموا أنّ الحرابة في الفروج أفحش منها في الأموال، وأنّ النّاس كلّهم ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال اللّه عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهّال، وخصوصا في الفتيا والقضاء.
وأمّا قول من قال: إنّه سواء في المصر والبيداء، فإنّه أخذ بمطلق القرآن.
وأمّا من فرّق فإنّه رأى أنّ الحرابة في البيداء أفحش منها في المصر، لعدم الغوث في البيداء وإمكانه في المصر.
والّذي نختاره: أنّ الحرابة عامّة في المصر والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها، ولو خرج بعصا من في المصر لقتل بالسّيف، ويؤخذ فيه بأشدّ ذلك لا بأيسره، فإنّه سلب غيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظّاهرة، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة، فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة، وكان حدّا، فتحرّر أنّ قطع السّبيل موجب للقتل في أصحّ أقوالنا، خلافا