المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 399
النّصّ وإن وقع على القاتل خطأ فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفّارة عليه منه. (5: 314)
السّمين: الفاء جواب شرط، أو زائدة في الخبر إن كانت (من) بمعنى الّذي، وارتفاع (تحرير) إمّا على الفاعليّة، أي فيجب عليه تحرير، وإمّا على الابتدائيّة والخبر محذوف، أي فعليه تحرير، أو بالعكس أي فالواجب تحرير. (2: 414)
القاسميّ: أي فالواجب عليه، لحقّ اللّه، إعتاق نفس محكوم عليها بالإيمان، ولو صغيرة، ليعتق اللّه عنه بكلّ جزء منها جزء منه من النّار. [إلى أن قال:]
لطيفتان:
الأولى: قال الزّمخشريّ [و قد تقدّم]
الثّانية: قيل في حكمة الإعتاق: إنّه لمّا أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار، لأنّ إطلاقها من قيد الرّقّ كإحيائها، من قبل أنّ الرّقيق ملحق بالأموات؛ إذ الرّقّ أثر من آثار الكفر، والكفر موت حكما: أَوَ مَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ الأنعام: 122. ولهذا منع من تصرّف الأحرار، وهذا مشكل؛ إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا. لكن يحتمل أن يقال: إنّما وجب عليه ذلك، لأنّ اللّه تعالى أبقى للقاتل نفسا مؤمنة؛ حيث لم يوجب القصاص، فأوجب عليه مثلها رقبة مؤمنة. (5: 1443)
ابن عاشور: الفاء رابطة لجواب الشّرط، و (تحرير) مرفوع على الخبريّة لمبتدإ محذوف من جملة الجواب، لظهور أنّ المعنى: فحكمه أو فشأنه تحرير رقبة، كقوله:
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يوسف: 18، والتّحرير:"تفعيل"من الحرّيّة، أي جعل الرّقبة حرّة.
ومن أسرار الشّريعة الإسلاميّة حرصها على تعميم الحرّيّة في الإسلام بكيفيّة منتظمة، فإنّ اللّه لمّا بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبوديّة متفشّية في البشر، وأقيمت عليها ثورات كثيرة، وكانت أسبابها متكاثرة:
وهي الأسر في الحروب، والتّصيير في الدّيوان، والتّخطّف في الغارات، وبيع الآباء والأمّهات أبناءهم، والرّهائن في الخوف، والتّداين، فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر، وأبقى الأسر لمصلحة تشجيع الأبطال وتخويف أهل الدّعارة من الخروج على المسلمين، لأنّ العربيّ ما كان يتّقي شيئا من عواقب الحروب مثل الأسر. [ثمّ استشهد بشعر]
ثمّ داوى تلك الجراح البشريّة بإيجاد أسباب الحرّيّة في مناسبات دينيّة جمّة: منها واجبة، ومنها مندوب إليها. ومن الأسباب الواجبة كفّارة القتل المذكورة هنا، وقد جعلت كفّارة قتل الخطأ أمرين:
أحدهما: تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وقد جعل هذا التّحرير بدلا من تعطيل حقّ اللّه في ذات القتيل، فإنّ القتيل عبد من عباد اللّه ويرجى من نسله من يقوم بعبادة اللّه وطاعة دينه، فلم يخل القاتل، من أن يكون فوّت بقتله هذا الوصف، وقد نبّهت الشّريعة بهذا على أنّ الحرّيّة حياة، وأنّ العبوديّة موت، فمن تسبّب في موت نفس حيّة كان عليه السّعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبدة.
وسنزيد هذا بيانا عند قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ