المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 495
لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. حرّم اللّه على المؤمنين في أوّل حرب وقعت بينهم وبين المشركين تولّيهم الأدبار وهدّدهم بغضب من اللّه، وأنّ مأواهم جهنّم، وبذلك عدّ الفرار عن القتال في المعركة من الكبائر. وقد استثنى اللّه منه صورتين من الإدبار: التّحرّف لقتال، والتّحيّز إلى فئة، وفي الآيتين بحوث:
1 -عبّر فيهما عن الفرار بتولّي الأدبار مكرّرا، مفردا وجمعا مشعرا بقبحه، وقد جاء ذلك تنديدا في آيات أخرى نزلت بعدهما، لا حظ"د ب ر".
2 -اتّفقت كلماتهم على أنّ هذين الأمرين: التّحرّف والتّحيّز، صورتان من الخدعة في الحرب، فقديما قيل:
"الحرب خدعة"، و"الحرب كرّ وفرّ"، أو صورتان من الانتقال إلى الأصلح، أو الأوّل خدعة، والثّاني مصلحة على تفصيل ياتي.
3 -وفي نصبهما وجهان بل قولان: الاستثناء، والحال: أي المتولّون عن القتال معذّبون إلّا فرقتين:
وهما المتحرّفون والمتحيّزون، أو إلّا وهم متحرّفون أو متحيّزون، ومآلهما واحد.
وقال قوم: الاستثناء هو من أنواع التّولّي!! ولو كان ذلك لوجب أن يكون:"إلّا تحرّفا وتحيّزا"حكاه ابن عطيّة.
4 -وقد قدّم الاستثناء وأتى به خلال الشّرط، ولم يؤخّره إلى ما بعد الجزاء- وهو متأخّر معنى اهتماما به، لئلّا يتّهم من تولّى تحرّفا أو تحيّزا بالفرار، ويحكم عليه بالعذاب، ومثله كثير في القرآن.
5 -واللّام في"لقتال"للعلّة، أي لأجل القتال، لا فرارا عن القتال، أو للغاية، أي إلى قتال لا إلى فرار.
قال ابن عاشور:"أي لأجل إعماله إن كان المراد بالقتال الاسم، أو لأجل إعادته المقاتلة إن كان المراد بالقتال المصدر، وتنكير (قتال) يرجّح الوجه الثّاني".
ونحن لا نرى وجها لقوله: فإنّ (قتال) مصدر لا اسم، وتنكيره يؤيّد ما يأتي في الغرض منه، وهو التّوجّة إلى قتال فرقة أخرى، دون إغراء العدوّ والاحتيال معه، فلاحظ.
6 -قالوا في معنى مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ: مستطردا للقتال، أو للكرّة، متقدّما من أصحابه ليرى غرّة من العدوّ فيصيبها، تاركا موقفا إلى موقف آخر أصلح منه للقتال، مائلا، عادلا من جهة إلى جهة، أن يهرب ليطلب ويفرّ ليكرّ، يتحرّف لأن يقاتل، منعطفا كأنّه يطلب عورة يمكنه إصابتها، ينحرف عن وجهه ويرى أنّه منهزم ثمّ يكرّ.
التّحرّف للقتال: الاستعداد له بأن يصلح لأمته، أو يطلب ماء لعطشه، أو مأكولا لجوعه، أو منعطفا عن الشّمس لئلّا يتأذّى بها، أو غير ذلك. منقطعا إلى القتال بأن يريهم أنّه منهزم خداعا. متوجّها إمّا إلى قتال طائفة أخرى أهمّ من هؤلاء، أو بالفرّ والكرّ. أو ليخرج العدوّ من بين أعوانه ثمّ يعطف عليه وحده، أو مع من في الكمين من أصحابه، تاركا موقفه إلى موقع أصلح فيه.
متحرّفا لضرب من ضروب القتال رآه أبلغ في النّكاية بالعدوّ، واختيار موقع أحسن، أو تدبّر خطّة أحكم.
وقالوا في اشتقاق التّحرّف: التّحرّف: الميل إلى