فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 786
حصول تلك المعارضات بقي في النّفس قدر مخصوص من الخلق الحميد، وقدر آخر من الخلق الذّميم، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد، ومقدار ذلك الخلق الذّميم، وذلك الظّهور إنّما يحصل في الآن الّذي لا ينقسم، وهو الآن الّذي فيه ينقطع تعلّق النّفس من البدن، فعبّر عن هذه الحالة بسرعة الحساب. فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النّبويّة على الحكمة الفلسفيّة، واللّه العالم بحقائق الأمور. (13: 18)
نحوه النّيسابوريّ. (7: 28)
النّسفيّ: لا يشغله حساب عن حساب، يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة. (2: 16)
البروسويّ: يحاسب جميع الخلائق في أسرع زمان وأقصره، لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن، لا يتكلّم بآلة، ولا يحتاج إلى فكرة ورويّة وعقد يد. ومعنى المحاسبة: تعريف كلّ واحد ما يستحقّه من ثواب وعقاب.
قال بعض العلماء: المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها، فيقدّم الحساب على الميزان، ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنّة بلا حساب.
واعلم أنّ الحشر والحساب لا يكون على وجه الأرض، وإنّما يكون في الأرض المبدّلة، وهي أرض بيضاء كالفضّة لم يسفك فيها دم، ولم يظلم عليها أحد.
فإذا ثبت الحشر والحساب، وأنّ اللّه تعالى هو المحاسب، وجب على العاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش في الحساب، لأنّه هو التّاجر في طريق الآخرة وبضاعته عمره، وربحه صرف عمره في الطّاعات والعبادات، وخسرانه صرفه في المعاصي والسّيّئات، ونفسه شريكه في هذه التّجارة، وهي وإن كانت تصلح للخير والشّرّ لكنّها أميل وأقبل إلى المعاصي والشّهوات، فلا بدّ له من مراقبتها ومحاسبتها. (3: 46)
الآلوسيّ: يحاسب جميع الخلائق بنفسه في أسرع زمان وأقصره، ويلزم هذا أن لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن. وفي الحديث: أنّه تعالى يحاسب الكلّ في مقدار حلب شاة، وفي بعض الأخبار:
في مقدار نصف يوم.
وذهب بعضهم إلى أنّه تعالى لا يحاسب الخلق بنفسه بل يأمر سبحانه الملائكة عليهم السّلام فيحاسب كلّ واحد منهم واحدا من العباد.
وذهب آخرون إلى أنّه عزّ وجلّ إنّما يحاسب المؤمنين بنفسه، وأمّا الكفّار فتحاسبهم الملائكة، لأنّه تعالى لو حاسبهم لتكلّم معهم، وذلك باطل، لقوله تعالى في صفتهم: (و لا يكلّمهم) .
وأجاب الأوّلون عن هذا بأنّ المراد: أنّه تعالى لا يكلّمهم بما ينفعهم، فإنّ ظواهر الآيات ومنها ما تقدّم في هذه السّورة من قوله تعالى: وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ الأنعام: 22، وقوله سبحانه: وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الأنعام: 30، تدلّ على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم.
ثمّ إنّ كيفيّة ذلك الحساب ممّا لا تحيط بتفصيلها عقول البشر من طريق الفكر أصلا، وليس لنا إلّا الإيمان