فهرس الكتاب

الصفحة 7211 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 881

عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إيّاه، فقال تعالى:

وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا* إلى قوله: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا البقرة: 89، 90، أي حسدا وقالت صفيّة بنت حييّ للنّبيّ عليه السّلام: جاء أبي وعمّي من عندك، فقال أبي لعمّي: ما تقول فيه؟ قال:

أقول: إنّه النّبيّ الّذي بشّر به موسى عليه السّلام. قال: فما ترى؟

قال: أرى معاداته أيّام الحياة. فهذا حكم الحسد.

أمّا المنافسة فليست بحرام، وهي مشتقّة من النّفاسة، والّذي يدلّ على أنّها ليست بحرام وجوه:

أوّلها: قوله تعالى: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ المطفّفين: 26.

وثانيها: قوله تعالى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الحديد: 21، وإنّما المسابقة عند خوف الفوت، وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما؛ إذ يجزع كلّ واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها.

وثالثها: قوله عليه السّلام:"لا حسد إلّا في اثنتين:"

رجل آتاه اللّه مالا فأنفقه في سبيل اللّه، ورجل آتاه اللّه علما فهو يعمل به ويعلّمه النّاس". وهذا الحديث يدلّ على أنّ لفظ"الحسد"قد يطلق على المنافسة."

ثمّ نقول: المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة:

أمّا الواجبة فكما إذا كانت تلك النّعمة نعمة دينيّة واجبة كالإيمان والصّلاة والزّكاة، فهاهنا يجب عليه أن يحبّ أن يكون له مثل ذلك، لأنّه إن لم يحبّ ذلك كان راضيا بالمعصية وذلك حرام.

وأمّا إن كانت تلك النّعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل اللّه والتّشمير لتعليم النّاس، كانت المنافسة فيها مندوبة.

وأمّا إن كانت تلك النّعمة من المباحات، كانت المنافسة فيها من المباحات، وبالجملة فالمذموم أن يحبّ زوالها عن الغير، فأمّا أن يحبّ حصولها له وزوال النّقصان عنه، فهذا غير مذموم.

لكن هاهنا دقيقة وهي: أنّ زوال النّقصان عنه بالنّسبة إلى الغير له طريقان:

أحدهما: أن يحصل له مثل ما حصل للغير.

والثّاني: أن يزول عن الغير ما لم يحصل له، فإذا حصل اليأس عن أحد الطّريقين فيكاد القلب لا ينفكّ عن شهوة الطّريق الآخر.

فهاهنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن ذلك الشّخص لأزالها، فهو صاحب الحسد المذموم. وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التّقوى عن إزالة تلك النّعمة عن الغير فالمرجوّ من اللّه تعالى أن يعفو عن ذلك. ولعلّ هذا هو المراد من قوله عليه السّلام:"ثلاث لا ينفكّ المؤمن عنهنّ: الحسد والظّنّ والطّيرة، ثمّ قال: وله منهنّ مخرج إذا حسدت فلا تبغ"أي إن وجدت في قلبك شيئا فلا تعمل به. فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد، وكلّه من كلام الشّيخ الغزاليّ رحمة اللّه عليه. [ثمّ ذكر كلام الغزاليّ المتقدّم ضمن المسألتين الثّالثة والرّابعة وأضاف:]

المسألة الخامسة: في سبب كثرة الحسد وقلّته وقوّته وضعفه. اعلم أنّ الحسد إنّما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب الّتي ذكرناها؛ إذ الشّخص الواحد يجوز أن يحسد لأنّه يمتنع من قول المتكبّر، ولأنّه يتكبّر، ولأنّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت