المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 13، ص: 222
ش- خلق السّموات والأرض بالحقّ في 10 آيات- تقدّمت في أرض"الأرض".
البحث الثّالث في معنى الحقّ: الحقّ مصدر جاء بمعنى الوصف مبالغة مثل"زيد عدل"، ومعناه الثّابت مقابل الباطل في جميع الآيات بحجّة الجمع بينهما في آيات، إلّا أنّ كلمات القوم تختلف أحيانا بحمله على المصدر أو على (ذات الحقّ) . كما أنّهم يحملونها كثيرا على مصاديقه مثل: الوحي، والقرآن، والوعد، والوعيد، ونحوها، وهذا من قبيل تفسير المفهوم بالمصداق.
البحث الرّابع: جاء حق نكرة ومعرفة تلو الباء في 64 آية في تلك العناوين، وقد اختلفت فيها كلمات القوم أهي للملابسة أم للسّببيّة أو غيرهما؟ والحقّ أنّها أصناف:
الأوّل- زائدة تأكيدا للنّفي في آيات:
1 -قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ... المائدة: 116
وقد صرّح أبو حيّان والآلوسيّ وابن عاشور وغيرهم فيها بأنّ الباء زائدة للتّأكيد.
2 -وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ... الأنعام: 30
3 -وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ ... الأحقاف: 34
الثّاني- للإلصاق والملابسة والمصاحبة على اختلاف تعابيرهم في كثير منها كخلق السّموات والأرض، وإنزال الكتاب وإرسال الرّسل والهداية، وكذا في العناوين (بغير الحقّ) ، وفي هذا الصّنف اختلفوا في موضع الجارّ والمجرور أنّه حال عن الفعل قبله أو وصف لمصدر منه محذوف.
الثّالث- للتّعدية في مواضيع كثيرة مثل (جاء بالحقّ، حكم بالحقّ، وصّى بالحقّ، بشّر بالحقّ، تواصى بالحقّ ونحوها) إلّا في مثل وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ ق: 19، فالباء فيها للملابسة أي جاءت سكرة الموت ملابسة بالحقّ الّذي وعده اللّه.
وبعضهم فرّق في بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ الحجر: 55، بأنّ الأوّل للسّببيّة، والثّاني للملابسة، أو كلاهما للسّببيّة، والظّاهر أنّ كليهما للملابسة فلاحظ النّصوص.
ويلاحظ أخيرا أنّ هذه المادّة تكثّرت مفرداتها في القرآن: (287) متفرّقة في 59 سورة- وأكثرها: (176) مكّيّة- وتزيد على رقم المدنيّات: (111) ب 65 رقم، كما أنّ النّسبة بين عدد سورها أيضا واسعة جدّا.
ومنها ننكشف أنّ الصّراع بين الحقّ والباطل كان في مكّة أشدّ وأصعب من غيرها صراع بين التّوحيد والشّرك، وصراع في العقيدة والتّقاليد الجاهليّة، وصراع في سبيل قلع جرثومة الشّرك والجهل، وغرس شجرة التّوحيد والعقل والعلم والأدب في تلك البقعة الّتي أسّس فيها أوّل بيت وضع للنّاس بيد إبراهيم خليل الرّحمن عليه السّلام، فانقلبت معقل الشّرك، ومأوى الجهل، وأصبحت مظلمة بعد النّور. فأوجدت تلك الجهود الشّاقّة أرضيّة مناسبة لرسوخ التّوحيد فيها، وفي غيرها