المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 14، ص: 284
المشهورة إلى الكوفيّين، وردّ ما سواهما بقوله:"و ما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها، لأنّا لا نعلم قارئا قرأ بها".
والغريب أنّه روى قراءة ابن مسعود"حاش للّه"بسكون الشّين، وتعقّبه قائلا:"يجمع بين السّاكنين"، فكيف جهل من كان يقرأ دون تلكما القراءتين؟!
3 -إن قيل: كيف قالت النّسوة: حاشَ لِلَّهِ وهنّ من قوم وثنيّين لا يعرفون اللّه ولا يعبدونه؟
قلنا: هذا حكاية عن حالهنّ في ذلك الموقف لقوم يعبدونه، فعبّر به عمّا يعرفونه بلسانهم.
ثانيا: أنّ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ في (2) استعملت في نفي السّوء عن يوسف، وفيها بحوث:
1 -شهدت النّسوة ليوسف بعفّته وطهارته ممّا اتّهم به، وكان قد حملهنّ على الاعتراف ليشهدن له على قول امرأة العزيز بحضوره وحضورهنّ: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ يوسف: 32، فقال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ يوسف: 50؟ وهو يريد اعترافها بخطيئتها، فاعترفت صاغرة: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
وهو من حنكة يوسف وحسن تدبيره، بإلهام وتسديد من اللّه، وهو قوله: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يوسف: 76.
2 -وردت قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ في سورة يوسف فقط، وهي حكاية عن النّسوة حول تنزيه يوسف عن البشريّة تارة، وعن السّوء تارة أخرى. غير أنّ (1) سبقت بالواو، وهي واو العطف، عطف على وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ. ولم تسبق (2) بشي ء، لأنّها استئناف بيانيّ جوابا للسّؤال: قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ؟
3 -قال المصطفويّ: إنّ الجارّ في قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ متعلّق ب (قلن) ، ثمّ احتمل تعلّقه ب (حاش) مع أنّ هذا هو المتعيّن بحجّة ما جاء في اللّغة"حاش لفلان"، والأوّل لا يساوقه السّياق في الموردين.
4 -عمد يوسف بإرجاع التّهمة إلى النّسوة دون امرأة العزيز فقط حيث قال: ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ وما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ يوسف: 50 و 51، لأنّهنّ كنّ شريكات لامرأة العزيز في فرط محبّتهنّ وعشقهنّ به، وفى الميل بل الدّعوة إلى الاستمتاع بيوسف حيث صرّح يوسف به بقوله: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف: 33، وكان هذا يقوّي حجّة يوسف أمام العزيز ببرائته ممّا اتّهم به.
5 -أبى يوسف عليه السّلام أن يخرج من السّجن بأمر الملك حين قال: ائْتُونِي بِهِ وهو مطأطئ الرّأس، متّهما بما رمي به، فقال لرسوله: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ، إمعانا منه بالذّبّ عن حقّه، وإثبات براءته، وردّا لمنّته عليه. ولمّا تحقّق له ما أراد بانتزاع شهادة النّسوة له ببراءته حاشَ لِلَّهِ، واعتراف المتّهم بجنايته أَنَا راوَدْتُهُ، خرج من السّجن مرفوع الرّأس، بريئا ممّا رمي به، فأجاب نداء الملك الّذي بعث إليه رسوله مرّة أخرى قائلا: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي. فمشى إليه معزّزا مكرّما، وليس لأحد في مصر عليه فضل ولا منّة، سوى فضل اللّه؛ إذ قال شاكرا ربّه: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ يوسف: 100.