فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 725

إلا مع العلم بالله تعالى؛ ولهذا لا يزال العقل يَطلب للموجود -الذي لم يوجد بنفسه- ما به وُجِد؛ سواء سُمِّي ذلك مؤثرًا أو فاعلًا أو علةً فاعلةً أو صانعًا أو ربًّا، حتى ينتهي النظر إلى الله سبحانه وتعالى، فحينئذ يقف الطلب.

ولهذا كان أول ما أنزل الله على نبيّه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ • خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ • اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ • الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ • عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5] . فبَيَّن1 أنه هو الذي خلق الأعيان الموجودة، وعلَّم العلم؛ فوجوده أصل كل وجود، وعلمه أصل كل علم.

والمصدر يضاف إلى الفاعل تارةً، وإلى المفعول أخرى، كما يقول: {ذِكْرِ اللَّهِ} [المائدة: 91] يريد الذكر الذي هو ذكره وهو كلامه، ويريد به ذكر العبد ربه، ويقول: {خَلْقُ اللَّهِ} [لقمان: 11] يريد به أنه خالق، ويقول: {خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] يريد به كونها مخلوقة.

فعلم الله بالمعنى الأول هو كونه عالمًا، وبالمعنى الثاني كونه معلومًا، وهو بكلا الاعتبارين أصل لما سواه؛ فإن الناس لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وعلَّم المخلوقات من علمه ما شاء، والعلم به أعلى العلوم، وغاية العلوم، ومنتهى العلوم، وتحقيق العلوم، وأصل العلوم. وإن كان العلم2 بغيره أسبقَ إلى بعض الأذهان من العلم به، أو يكون دليلًا على العلم به - فالعلم به مع كونه أعلى وأكمل وأنفع، فإن الحاجة إليه ضرورية، وإنه لا صلاح للعبد إلا به، ولا سعادة بدونه، فهو أصل لتحقيق تلك العلوم التي به تستحق أن تكون علومًا.

وكلام الفلاسفة اليونانيين كأرسطو وأتباعه في الإلهيات؛ مع كونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت