حركة الفلك علةً غائِيَّةً، لا علةً فاعلة، ولم يثبتوا واجبًا بنفسه أبدع الأفلاك، وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا: أن ابن سينا وأتباعه ركَّبوا مذهبًا من قولهم ومن قول الجهمية نُفاة الصفات مِنَ المعتزلة وغيرهم -كما سنبيّن طريقة أولئك- فأثبتوا واجب الوجود بأن الوجود لا بُدَّ له من واجب، ثم أخذوا يصفون الواجب الذي ادَّعوا ثبوته بما لا دليلَ عليه، وسمَّوا هذا «العلم الإلهي» ، وذكروا ما يُقَرِّبه إلى ما جاء به الأنبياء، وتكلَّموا في النبوات بما لا يناقض أصول سلفهم؛ إذْ كان أولئك الفلاسفة ليس لهم في النبوات كلام معروف، وليس لها ذكر في كتب أرسطو وأمثاله لا بنفيٍ ولا بإثبات.
والجهمية وغيرهم أثبتوا الصانع بطريقة الاستدلال بحدوث الأجسام؛ وأنها لا تخلوا عن الحوادث؛ وما لا يخلوا عن الحوادث فهو حادث. وبَنَوْا على ذلك نفي صفات الرَّبِّ تعالى؛ وأنه لو قامت به الصفات والأفعال للزم أن يكون محدَثًا، وقالوا: التوحيد هو أن يُجعل القديم شيئًا واحدًا، فلا تُثبت له صفة قديمة؛ لأن إثبات صفة للقديم يوجب تعدد القديم.
فلما كان شعار هؤلاء أن القديم لا يتعدد، أخذ ابن سينا وأتباعه معنى ذلك منهم؛ وقالوا: الواجب لا يتعدد، وصار هؤلاء يَدَّعون وحدة الواجب، كما يَدَّعي أولئك وحدة القديم، ويَدَّعي كلٌّ من هؤلاء أن هذا هو التوحيد، وأن إثبات الصفات تشبيه وتركيب.
ومن المعلوم لكل من عرف ما جاءت به الرسل أن التوحيد الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه لم يتضمن نفيَ صفات الله، بل الكتب الإلهية مملوءة بإثبات صفات الله تعالى، وكذلك العقل الصريح هو موافق لما جاءت به الكتب الإلهية من إثبات صفات الكمال لله تعالى.
وقول هؤلاء بامتناع إثبات واجبَيْن قديمَيْن؛ لفظ فيه إجمال وإبهام؛