والطُرُق الأولى الثلاث هي طرق صحيحة؛ إذا قُرِّر إمكان بعض ذلك وحدوث بعض ذلك، فأما مع طلب تقرير عموم الإمكان والحدوث، فهو الذي قدح فيه الناس، كما أن الطريقة الرابعة إنما هي مبنية على حدوث بعض ذلك.
لكن يكون في ذلك تطويل لا تحتاج إليه الفطر السليمة، وإن كان قد يَنْتَفِع به، بل يحتاج إليه بعضُ الناس؛ إذ مِن الناس مَن قد ينتفع بالطرق الطويلة الخفية أكثر من الطرق القريبة الجَلِيَّة؛ وذلك لأن دلالة الحدوث على المحدِث أظهر من دلالة الإمكان على الواجب، ودلالة ما يُشهد حدوثه أظهر من دلالة ما يُستدل على حدوثه؛ فكان الاستدلال بما يُشاهَد من الحدوث أبين الطرق، وهذه هي الطريقة الرابعة التي يسمونها حدوث الصفات.
وهذه الطريق وإن كانت صحيحة، فطريقة القرآن العزيز أكمل منها؛ فإنه سبحانه يستدل بحدوث الأعيان، وذلك أكمل، مع ما في القرآن من الطرق الكثيرة التي يُبَيِّن بها ربوبية الرب تعالى ومشيئته وقدرته تارة، ورحمته وعنايته وإحسانه وإلهيته وحِكْمته تارة.
وأيضًا فطريقة1 القرآن يُستدل فيها بالآيات أو بقياس الأَوْلى، وأولئك إنما يستدلون بالقياس، وذلك لا يدل إلا على أمر كُلِّي مشترك، لا يدل على المطلوب.
وإنما ذكر أولئك حدوث الصفات لاعتقادهم أن ما نشهده من الحوادث إنما هو صفات؛ بناءً على إثبات الجوهر الفرد، وأن الحدوث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها. وهذا قول المثبتين للجوهر المفرد2، فإن مذهبهم أن جميع ما نشهد حدوثه إنما هي