وملتذًّا ولذيذًا ولذة - أخذوا يكابرون؛ فيجعلون1 هذه الصفة هي الأخرى، فيجعلون كونه فاعلًا هو كونه عالمًا، وكونه عاشقًا هو كونه عالمًا، وكونه عالمًا هو كونه قادرًا؛ ويجعلون الصفة هي الموصوف؛ فيجعلون العلم عين العالِم، والقدرة عين القادر، والمحبة عين المحبوب. ومن متأخريهم - كالطوسي شارح «الإشارات» - من جعل العلم عين المعلومات2، ويجعلون هذه الأمور الموجودة أمورًا عدمية.
فهذا وأمثاله مما يَعلم به كلُّ عاقل تَصَوَّر قولهم تصورًا تامًّا: أنهم من3 مخالفة للمعقول الصريح في العلم4. وسبب ذلك أن متقدميهم ليس لهم في ذلك عِلْم ولا خَوْض، ولا عرفوا الله تعالى، ولا ملائكته، ولا كتبه، ولا رسله، ولا البعث بعد الموت. وإنما عرفوا أمورًا مشهودة من هذا العالَم، وأمورًا كُلُّيَّة لهذه الأمور المشهودة5 من الطبيعية والرياضية، وعرفوا أن وراء الأفلاك موجودًا آخر، ولكن صاروا يتكلمون فيه رجمًا بالغيب، وهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد.
وكان غاية ما عند أرسطو - معلمهم الأول، صاحب المصنَّفات الموروثة عندهم في المنطق والطبيعي والإلهي - أن أثبت عِلَّةً غائيَّةً، يتحرك الفَلَك للتَّشَبُّه بها، ولم يذكر أنه فعل شيئًا، بل أنكر6 أن يكون عالمًا بشيء من الموجودات، وتكلم فيه بكلام قد ذكرناه، وذكرنا بعض