وإذا كان التوسط بالمعنى الخاص والعام، يكون مع الحركة تارة ومع السكون أخرى، لم يكن في تفسير الحركة بالتوسط بيان لمعناها، إنما في ذلك ذكر بعض لوازم الحركة؛ فإن المتحرِّك من مبدأ إلى منتهى يلزمه أن لا يزال بينهما، فكونه بينهما حال لازم له ما دام متحرِّكًا، وهذا هو التوسط الذي ذكروه، ومعلوم أن هذا ليس هو نفس الحركة، بل الحركة تَحَوُّله من محل إلى محل، وكونه بين الحدِّين أمر لازم لحركته.
بل وتفسير الحركة بهذا يشبه تفسير الحيوان بأنه1 النامي المغتذي، والنامي المغتذي أعم من الحيوان؛ فإن2 النبات نام3 مغتذ، وكذلك تفسير الإنسان بأنه الحساس المتحرك بالإرادة، والحساس المتحرك بالإرادة أعم من الإنسان، فتفسير الحركة بأنها التوسط بين المبدأ والمنتهى تفسير لها بأمر أعم [من] الحركة4، فإذن كان التوسط يكون للجسم إذا كان بينهما، سواء كان متحرِّكًا أو كان5 ساكنًا.
ثم يقال: التوسط يراد به نوع التوسط، ويراد به التوسط المعيَّن، ومعلوم أن النوع أمر كُلِّي، وثباته6 لا يوجد في الخارج كُلِّيًّا، وإنما يوجد في الخارج التوسط [المعيَّن] 7، وهذا التوسط وكل واحد من التوسطات المعيَّنة حركة معينة، وجنس الحركة يعمُّ هذا كله، والحركة الكُلِّية العقلية لا توجد في الخارج إلا معيَّنةً، كما أن التوسط كذلك، والحركة المتصلة الموجودة شيئًا بعد شيء هي التوسط المتصل8 شيئًا بعد شيء.