والفرق بين الآيات والمقاييس؛ أن القياس العقلي - الذي يُسمِّيه أهل المنطق «البرهان» - إنما يدل على مطلوب كُلِّي، فإنه لا بُدَّ من قضية كُلِّية موجِبَة؛ إذ لا نتاج عن السالبتين ولا عن جزئيين.
وقياس التمثيل حقيقته هي حقيقة قياس الشمول؛ فإن ما يُسمَّى «الحد الأوسط» في هذا يسمى في ذاك «الجامع المشترك بين الأصل والفرع» .
وقياس الشمول إنما يدل على مطلوب كُلِّي، لا على شيء بِعَيْنه؛ فإنه لا بُدَّ من مُقَدِّمة كُلِّية، فلا يفيد ما يختص به الموصوف، بخلاف الآيات؛ فإن الآية تستلزم عين ما هي آية عليه، فإنها دليل على عين المطلوب.
وجميع المخلوقات آيات للخالق تعالى؛ فإنها مستلزمة لذاته المعيَّنة؛ فإنه يمتنع وجود شيء من المخلوقات إلا بوجود نفسه المقدسة المعيَّنة؛ فصارت لازمة لكل موجود، وكل ملزوم فإنه يُستدل به على لازمه، فإن الدليل هو ما يكون مستلزمًا لغيره، فكل ما كان مستلزمًا لغيره أمكن الاستدلال به عليه، وكل مخلوق فإنه [يستلزم] 1 الخالق؛ يمتنع وجوده بدون وجود الخالق؛ فيمكن الاستدلال به على عين الخالق.
وإذا قلنا: هو محدَث، وكل محدَث فله محدِث؛ أو هذا ممكن، وكل ممكن فلا بُدَّ له من واجب؛ فهذا صحيح، لكنه يدل2 على محدِث مطلق، وواجب مطلق، لا يمنع تَصَوُّره من وقوع الشِّرْكة فيه، إلا أن تُعلم عينه أو أنه واحد بدليل منفصل. وأما هذا القياس، فإنما يدل على وصف كُلِّي مشترك.
ثم إذا علمنا بالدليل أن الفاعل القديم لا يكون إلا واحدًا، والفاعل الواجب بنفسه لا يكون إلا واحدًا؛ لم يكن في ذلك ما يدل على عينه، بل إنما يدل على واحد مطلق عندنا، وإن كان معيَّنًا في نفس الأمر.