الوجه الخامس: أن يقال: الكمال الذي يستحقه هو الكمال الممكن أو الممتنع؟ والثاني باطل قطعًا، وأما الأول فيقال: إذا كان في الأمور ما لا يحدث إلا شيئًا بعد شيء: كان وجوده في الأزل ممتنعًا، فلا يكون من الكمال، وإنما يكون الكمال وجوده حتى يمكن وجوده.
السادس: أن يقال: لا ريب أنه تعالى أحدث أشياء بعد أن لم يكن محدِثًا لها: كالحوادث المشهودة. والقائلون بأن الفَلَك قديم عن عِلَّة موجِبة يُسلِّمون ذلك، ويُسلِّمون أنه يُحدث الحوادث بواسطة، وإن كانوا قد يتناقضون.
وحينئذٍ، فيقال: هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال وإما أن لا يكون، فإن كان صفة كمال فقد كان فاقدًا لها قبل ذلك، وإن لم يكن صفة كمال فقد اتصف بالنقص.
فإن قلت: أقول: ليس بصفة كمال ولا نقص.
وقد تنازع النُّظَّار في الفاعلية: هل هي صفة كمال أو نقص؟ وجمهور المسلمين يقولون: هي صفة كمال. وهذا قول أكثر1 الحنفية والحنبلية، وأئمة المالكية والشافعية، وأهل الحديث والصوفية وكثير من النُظَّار من المتكلمين والفلاسفة أو أكثرهم. وقالت طائفة: ليست صفة كمال ولا نقص. وهو قول أكثر أصحاب الأشعري.
فإذا التزم هذا القول قيل له: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنه من المعلوم بصريح العقل أنه من يَخْلُقُ أكمل ممن لا يَخْلُقُ؛ ولهذا قال تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [النحل: 17] . فاستفهم سبحانه استفهام إنكار، وهو يتضمن الإنكار على من سوَّى بين من يَخْلُقُ ومن لا يَخْلُقُ، وذلك على أن تفضيل من يَخْلُق على من لا يَخْلُق أمر فِطْرِيٌّ ضَروري؛ كتفضيل من يَعْلَمُ على من لا يَعْلَم.