كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ، وقال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ • وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 75 - 76] ، وقال تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ • وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ • وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ • وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 19 - 22] ونظائر هذا كثير.
الثاني: أنه إذا كان الأمر هكذا، فلِمَ لا يجوز أنه يفعل لحِكْمة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء؟ كما أنه يَخْلُق ويُحْدِث، ووجود الخلق والإحداث وعدمه بالنسبة إليه سواء، كما ذكرتم.
فإنكم إذا جعلتموه فاعلًا بالإرادة، ووجود المراد وعدمه بالنسبة إليه سواء، فهذه إرادة لا تُعْقل في الشاهد، فكذلك فقولوا: يفعل لحِكمةٍ وجودها وعدمها بالنسبة إليه سواء، وإن كان مثله لا يعقل في الشاهد، لا سيما والفعل عندكم هو المفعول المنفصل؛ فجوِّزوا أيضًا أن يفعل لِحِكْمة منفصلة، كما قالت المعتزلة.
وأنتم إنما قلتم ذلك فرارًا من قيام الحوادث به ومن التسلسل، فكذلك فقولوا بنظير ذلك فرارًا من هذا. فإن لم تقولوه وقاله غيركم، لم يلزمه من ذلك إلا نظير ما لزمكم، فلا يكون قوله أبطل من قولكم.
وهذا لازم لهم؛ فإنهم قالوا: الخلق هو المخلوق وخالفوا بهذا صريح العقل والسمع لئلا يلزم التسلسل، فمن قال: «إنه يفعل مفعولًا لمفعول» بأن يريده لنفسه، كان أقرب إلى المعقول.
السابع: أن يقال: العقل الصريح يعلم أن من فعل فعلًا لا لِحِكْمة، فهو أَوْلى بالنقص ممن فعل لِحِكْمة كانت معدومة، ثم صارت موجودة