وما ذَكَر1 من خلق كفر الكافر وعقوبته على ذلك، إذا سُلِّم انتفاء المصلحة في ذلك، فإنما يدل على عدم رعاية مصلحة هذا المعيَّن، وهو حجة على المعتزلة؛ الذين يقولون: «يجب رعاية الصلاح أو الأصلح في حق كل معيَّن» . بحسب ما يظنونه هم، ويقيسونه فيه على خلقه.
وقول المعتزلة باطل عند سلف الأمة وأئمتها وجمهورها، كما أن قول الجهمية أيضًا باطل عند هؤلاء، فلا يلزم من بطلان أحد القولين صحة الآخر، ولا يدل هذا على انتفاء الحِكْمة مطلقًا، ولا على انتفاء رعاية الصلاح لجملة العالَم.
وهذا كما أن الشريعة متضمنة لصلاح العباد في المعاش والمعاد؛ كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] . وهذا معلوم بالاضطرار بعد تتبع كُلِّيات الشريعة، وسواء قيل: إن فِعله وحُكْمه يُعلَّل، أو لا يُعلَّل؛ فإن من نفى التعليل يقول: إن المصالح اقترنت بالفعل المأمور به، وكان ذلك علامة ودلالة، وإن لم يقل: إن شرع الفعل لتلك المصلحة.
ومع هذا فمعلوم أن اعتبار الشارع المصالح العامة الكُلِّية لا يوجب حصول هذا في كل معيَّن؛ فقطع يد السارق، وإن كان شرًّا بالنسبة إليه إذا لم يتب، فهو مصلحة لعموم الخلق، وكذلك سائر العقوبات الشرعية، وكذلك الجهاد، وإن كان فيه قتل نفوس، وأخذ أموالهم، وسبي حريمهم - فمصالحه غامرة لهذه المفسدة القليلة.
ولهذا كان مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والشارع يحصِّل خير الخيرَين في الحصول، وشر الشرَّين في الدَّفع؛ وقد يلتزم تفويت خير قليل لتحصيل خير كثير، أو دفع شرٍّ: دفْعُه أنفع من ذلك الخير القليل. أو يلتزم تحصيل شر قليل لتفويت شر كثير، أو لتحصيل خير هو أنفع من دفع ذلك الشر القليل.