وإذا كان كذلك، كان ترك القبيح أمرًا واجبًا بالذات، ممتنع العدم، وإذا كان ترك القبيح [أمرًا1] واجبًا بالذات كان إيصال الثواب إلى المستحق أمرًا واجبًا وجوبًا بالذات2؛ لأن تركه لمَّا كان قبيحًا ممتنعًا بالذات كان فعله فعلًا واجبًا بالذات، فحينئذٍ يلزم أن تكون ذاته تعالى موجبًا لحصول الثواب ووصوله إلى المستحق، وأن لا يكون قادرًا على الترك أصلًا.
فإثبات الحكمة على هذا الوجه يقدح في كونه قادرًا؛ لأن3 الحكمة مفرَّعة4 على كونه قادرًا، والفرع إذا استلزم فساد الأصل كان باطلًا، فالقول بالحكمة يجب أن يكون باطلًا على هذا القول.
وأيضًا إذا كان الفعل موقوفًا على الداعي لزم الجَبْر، وإذا لزم الجَبْر كان الله تعالى فاعلًا لجميع أفعال العباد، بواسطة خلق القدرة والداعي الموجِبَين5 لها، وإذا كان كذلك امتنع أن يقال: إنه تعالى لا يفعل هذه الأفعال.
وأما القسم الثاني، وهو أن تقولوا: إن كونه تعالى غنيًّا مع كونه عالمًا بكونه غنيًّا لا ينافي فعل القبيح، ولم يكن بين حصول هذا الفعل وحصول ذلك الوصف منافاة ولا معاندة أصلًا. وحينئذٍ6 يتعذر الاستدلال بذلك الوصف على أنه تعالى لا يفعل القبيح؛ لأن كل ما لم يكن فيه امتناع لا يلزم7 مِن فَرْض وجوده8 محال ولا فساد، فهذا سؤال صعب على ما ذكروه».