وبهذا يُفرَّق بين كلام الله سبحانه1، وعلم الله2؛ وبين عبد الله، وبيت الله، وناقة الله، وقوله: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] .
وهذا أمر معقول في الخطاب3؛ فإذا قلت: «علم فلان وكلامه ومشيئته» لم يكن شيئًا بائنًا عنه4، والسبب في ذلك أن هذه الأمور صفات لما تقوم به، فإذا أضيفت إليه كان ذلك إضافة صفة5 لموصوف؛ إذ لو قامت بغيره لكانت صفة لذلك الغير، لا له6.
واعلم أن الاستدلال على الكلام بمثل هذه السمعيات أكمل من الاستدلال على السمع والبصر بالسمعيات؛ لأن ما أخبر الله به عن نفسه من قوله وكلامه، وَنَبَئِه وقَصَصِه، وأمره ونهيه وتكليمه، وندائه ومناجاته وأمثال ذلك - أضعاف أضعاف ما أخبر به من كونه سميعًا بصيرًا.
وأيضًا، فإنه نوَّع الإخبار عن كل نوع من أنواع الكلام، وثنَّى ذلك، وكرره في مواضع، ولا يُحصى7 ما في القرآن من ذلك إلا بكُلْفة.
ومن المعلوم بالاضطرار أن المخاطبين لا يفهمون من هذا الكلام عند الإطلاق أنه خَلَق صوتًا في غيره، وإنما يَفْهمون منه [أنه] 8 هو الذي تَكَلَّم بذلك وقاله9، كما قالت عائشة في حديث الإفك: «ولَشأنِي في نفسي كان أحقرَ من أن يَتَكَلَّمَ اللهُ فيَّ بوَحْيٍ يُتْلَى» .