فلو كان المراد بهذه الجمل الكثيرة العظيمة البَيِّنة الصريحة خلاف مفهومها ومقتضاها لوجب بيان ذلك؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ثم لا يقدر أحد أن يحكي عنهم أنهم جعلوا الكلام كلامًا لمن أحدثه في غيره، بل لا يوجد في كلامهم: «قال ويقول» ، و «تكلَّم1 ويتكلم» إلا إذا كان الكلام قائمًا بذاته.
وإذا احتجتِ الجهميةُ -من المعتزلة ونحوهم- بأن أحدنا إنما كان مُتَكَلِّمًا؛ لأنه فعل الكلام، قيل: هو لم2 يحدثه في غيره ولم يباين كلامُه نفسَه، وأنتم تجعلون الكلام المباين3 للمتكلم كلامًا له.
فإن قالوا: ولا نعقل4 الكلام إلا كلامًا لمن فَعَلَه بمشيئته وقدرته، فإن كلام أحدنا لم يكن كلامًا له لمجرد5 قيامه بذاته، بل لكونه فَعَلَه.
قيل: أما كلام أحدنا6 فهو قائم به، وهو تكلم7 به في ذاته ومشيئته وقدرته، فهو8 قد جمع الوصفين: أنه قائم بذاته، وأنه تكلم به9 بمشيئته وقدرته. فليس جعلكم الكلام كلامه لمجرد كونه فَعَلَه