عسيرٌ مُنْسَد1، والاختلاف فيه كثير، وليس بعض المذاهب أَوْلَى من بعض، وأدلة العقول متعارضة، فلا ثقة برأي أهل الرأي، والداعي إلى التعليم مُتَحَكِّم لا حُجة له، فكيف نَدَع2 اليقين بالشك؟
وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليدًا، ولكني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النُّبُوَّة، وأنَّ حاصلها يرجع إلى المصلحة والحكمة3، وأن المقصود من تعبداتها ضَبْطُ عَوَامِّ الخَلْق، وتقييدهم4 عن التقاتل والتنازع، والاسترسال في الشهوات، فما أنا من العَوَام الجُهَّال حتى أدخل في حَجْر التكليف، وإنما أنا من الحكماء، أتبع الحكمة وأنا بصير بها، مستغنٍ فيها عن التقليد.
هذا منتهى إيمان من قرأ فلسفة الإلهيين منهم، ويُعلم5 ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي، وهؤلاء [هم6] المتَجمِّلُون منهم7 بالإسلام.
وربما يُرى8 الواحد منهم يقرأ القرآن، ويحضر الجماعات والصلوات، ويُعَظِّم الشريعة بلسانه، ولكنه - مع ذلك - لا يترك شرب الخمر، وأنواعًا من الفسق والفجور. وإذا قيل له: إن كانت النُّبُوَّة غير صحيحة فلِمَ تصلي؟ فربما يقول: «رياضة الجسد، وعادة البلد9، وحفظ المال والولد» ؛ وربما قال: «الشريعة صحيحة، والنبوة حق» ، فيقال له10: فلم
تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نُهي عن الخمر؛ لأنها تورث العداوة والبغضاء، وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد به تَشْحِيذ خاطري.