والقاضي في كثير من مسائل الفتيا والقضاء باجتهاده - يكون أيضًا مثابًا من جهة اجتهاده الموافق لطاعة الله تعالى1، غير مثاب من جهة ما أخطأ فيه، وإن كان معفوًّا عنه.
ثم قد يحصل منه2 تفريط في الواجب أو اتِّباع لهوى يكون ذنبًا منه، وقد يَقْوى فيكون كبيرة، وقد تقوم عليه الحجة التي بعث الله3 بهما رسله، ويعاندها مشاقًّا4 للرسول من بعد ما تبين له الهدى، متبعًا غير سبيل المؤمنين؛ فيكون مرتدًّا منافقًا، أو مرتدًّا ردةً ظاهرة. فالكلام في الأشخاص لا بُدَّ فيه من هذا التفصيل.
وأما الكلام في أنواع الأقوال والأعمال باطنًا وظاهرًا من الاعتقاد والإرادات وغير ذلك، فالواجب فيما تنوزع فيه [من5] ذلك أن يُرَدَّ إلى الله والرسول، فما وافق الكتاب والسنة فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وما وافقه من وجه دون وجه، فهو ما اشتمل على حق وباطل، فهذا هذا6.
والمقصود هنا: أن أهل العلم والإيمان، في تصديقهم لما يُصَدِّقون به، وتكذيبهم لما يُكَذِّبون به، وحمدهم لما يحمدونه، وذمهم لما يذمونه - متفقون على هذا الأصل. فلهذا يوجد أئمة أهل العلم والدِّين من المنتسبين إلى الفقه والزهد، يذمون البدع المخالفة للكتاب والسنة في الاعتقادات والأعمال، من أهل الكلام والرأي والزهد والتصوف ونحوهم؛ وإن كان في أولئك من هو مجتهد، له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له.
وقد ثبت7 عن النبي صلى الله8 عليه وسلم من غير وجه أنه قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين