فهرس الكتاب

الصفحة 689 من 725

والكلام إما خبر وإما إنشاء، والخبر أكثر من الإنشاء وأصل له، كما أن العِلْم أعم من الإرادة وأصل لها، والمعلوم

أعظم من المراد؛ فالعلم يتناول الموجود والمعدوم، والواجب والممكن والممتنع، وما كان وما سيكون، وما يختاره العالِم وما لا يختاره، وأما الإرادة فتختص ببعض الأمور دون بعض. والخبر يطابق العِلم، فكل ما يُعْلَم يُمْكِنُ الخَبَر به، والإنشاء يطابق الإرادة؛ فإن الأمر إما محبوب يُؤْمَر به، أو مكروه يُنْهَى عنه، وأما ما ليس بمحبوب ولا مكروه فلا يُؤْمَر به ولا يُنْهَى عنه.

وإذا كان كذلك، فالإنسان إذا كان مُتَحَرِّيًا للصدق عُرف ذلك منه1، وإذا كان يَكْذِب أحيانًا لغرض من الأغرض، لجلب ما يهواه أو دفع ما يبغضه أو غير ذلك2: فإن ذلك لا بُدَّ أن يُعْرَف منه، وهذا أمر جرت به العادات كما جرت بنظائره، فلا تجد أحدًا بين طائفة من الطوائف طالت مباشرتهم له، إلا وهم يعرفونه: هل يَكْذِب أو لا يَكْذِب.

ولهذا كان من سُنَّة القضاة إذا شَهد عندهم من لا يعرفونه كان لهم أصحاب مسائل، يسألون عنه جيرانه ومعامليه ونحوهم، ممن له به خِبْرَة، فمن خَبَر شخصًا خِبْرَةً باطنةً، فإنه3 يعلم من عادته علمًا يقينيًّا4 أنه لا يكذب، لا سيما في الأمور العِظَام.

ومَن خَبَرَ عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيَّب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وشُعْبة بن الحَجَّاج5، ويحيى بن سعيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت