وتارة يُعْلَم صدقه بأن يأتي بمثل ما أتوا به من الخبر والأمر؛ فإن الكَذَّاب الفاجر لا يُتَصَوَّر أن يكون في أخباره وأوامره موافقًا للأنبياء، بل لا بُدَّ أن يخالفهم في الأصول الكُلِّية التي اتفق عليها الأنبياء؛ كالتوحيد والنبوات والمَعَاد. كما أن القاضي الجاهل أو الظالم لا بُدَّ أن يخالف سُنَّة القضاة العالِمين العادِلين، وكذلك المفتي الجاهل أو الكاذب، والطبيب الكاذب1 أو الجاهل؛ فإنَّ كل هؤلاء لا بُدَّ أن يَتَبَيَّنَ2 كَذِبُهم أو جَهْلُهم بمخالفتهم3 لما مضت به سُنَّة أهل العلم والصدق؛ وإن كان قد يخالف بعضهم بعضًا في أمور اجتهادية، فإنه يُعلم الفرق بين ذلك وبين المخالفة في الأصول الكُلِّية التي لا يمكن انخرامها4.
ولهذا يُمَيِّز الناس5 في الأمراء والحُكَّام والمُفْتِين والمُحَدِّثِين والأطباء وسائر الأصناف، بين العالِم الصادق - وإن خالف غيره من أهل العلم والصدق6 في أشياء - وبين من يكون جاهلًا أو كاذبًا ظالمًا، ويُفَرِّقُون بين هذا وهذا، كما أنهم يعلمون من سيرة أبي بكر وعمر من العلم والعدل ما لا يرتابون فيه، وإن كان بينهما منازعات في أمور اجتهادية؛ كالتفضيل في العطاء ونحو ذلك.
وأيضًا، فإذا أخبر اثنان عن قضية طويلة ذات أجزاء وشُعب، لم يتواطئا عليها، ويمتنع في العادة اتفاقهما فيها على تَعَمُّد الكذب أو الخطأ7، علمنا صدقهما؛ مثل أن يشهد رجلان واقعة من وقائع