فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 626

ثمّ أوضح الأمر في عجزهم بأن كرّر ذكر القصة في مواضع، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله، أي: بأيّ نظم جاءوا، وبأيّ عبارة عبّروا.

ومنها: أنّه لما تحدّاهم قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها، لقال العربيّ: ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها الله سبحانه وتعالى في تعداد السّور، دفعا لحجّتهم من كلّ وجه.

ومنها: أنّ القصّة لما كرّرت كان في ألفاظها في كلّ موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النّظم، وجذب النفوس إلى سماعها، لما جبلت عليه من حب التنقّل في الأشياء المتجدّدة واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرآن، حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللّفظ، ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين.

وقد سئل: ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد، دون غيرها من القصص؟ وأجيب بوجوه [1] :

أحدها: أنّ فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والسّتر، وقد صحّح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف [2] .

ثانيا: أنها اختصّت بحصول الفرج بعد الشدّة، بخلاف غيرها من القصص، فإنّ مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم، فلما اختصّت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها، لخروجها عن سمت القصص.

ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني [3] : إنّما كرّر الله قصص الأنبياء، وساق قصة يوسف مساقا واحدا، إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص.

قلت: وظهر لي جواب رابع، وهو أنّ سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن

(1) انظر البرهان 3/ 29.

(2) رواه الحاكم في المستدرك 2/ 345، والواحدي في أسباب النزول ص 269، وأبو يعلى في مسنده (740) 2/ 8887، والطبري 12/ 90ورجاله ثقات.

(3) انظر البرهان 3/ 3029.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت