فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 626

أصلا، فلا يحصل منهم إلحاف. {مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلََا شَفِيعٍ يُطََاعُ} [غافر: 18] أي:

لا شفيع لهم أصلا. {فَمََا تَنْفَعُهُمْ شَفََاعَةُ الشََّافِعِينَ (48) } [المدثر: 48] أي: لا شافعين لهم فتنفعهم شفاعتهم. بدليل: {فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ (100) } [الشعراء: 100] .

ويسمّى هذا النوع عند أهل البديع: نفي الشيء بإيجابه.

وعبارة ابن رشيق في تفسيره: أن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه، بأن ينفي ما هو من سببه كوصفه، وهو المنفيّ في الباطن.

وعبارة غيره: أن ينفى الشيء مقيّدا، والمراد نفيه مطلقا، مبالغة في النفي وتأكيدا له.

ومنه: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللََّهِ إِلََهًا آخَرَ لََا بُرْهََانَ لَهُ بِهِ} [المؤمنون: 117] ، فإنّ (الإله مع الله) لا يكون إلّا عن غير برهان. {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: 61] ، فإنّ قتلهم لا يكون إلّا بغير حقّ. {رَفَعَ السَّمََاوََاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهََا} [الرعد: 2] ، فإنها لا عمد لها أصلا.

الثالث: قد ينفى الشيء رأسا، لعدم كمال وصفه أو انتفاء ثمرته. كقوله في صفة أهل النار: {ثُمَّ لََا يَمُوتُ فِيهََا وَلََا يَحْيى ََ (13) } [الأعلى: 13] فنفى عنه الموت، لأنه ليس بموت صريح، ونفى عنه الحياة لأنها ليست بحياة طيبة ولا نافعة.

{وَتَرََاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لََا يُبْصِرُونَ} [الأعراف: 198] ، فإنّ المعتزلة احتجّوا بها على نفي الرؤية فإنّ النظر في قوله تعالى: {إِلى ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ (23) } [القيامة: 23] لا يستلزم الإبصار. وردّ: بأن المعنى أنها تنظر إليه بإقبالها عليه، وليست تبصر شيئا [1] .

{وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرََاهُ مََا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلََاقٍ وَلَبِئْسَ مََا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كََانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102] فإنّه وصفهم أولا بالعلم على سبيل التوكيد القسميّ، ثم نفاه آخرا عنهم لعدم جريهم على موجب العلم. قاله السكاكيّ.

الرابع: قالوا: المجاز يصحّ نفيه، بخلاف الحقيقة. وأشكل على ذلك: {وَمََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلََكِنَّ اللََّهَ رَمى ََ} [الأنفال: 17] فإنّ المنفيّ فيه هو الحقيقة.

وأجيب: بأنّ المراد بالرّمي هنا المترتّب عليه وهو وصوله إلى الكفار، فالوارد عليه النفي هنا مجاز لا حقيقة، والتقدير: وما رميت خلقا إذ رميت كسبا، أو ما رميت انتهاء إذ رميت ابتداء.

(1) لقد تواترت الأحاديث، وأجمع العلماء على أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانا. وينبغي إثبات ذلك. والابتعاد عن التأويل والتحكمات التي لا أصل لها في كتاب ولا سنة. انظر كتابنا «رؤية الله في الآخرة» وهو ضمن مجموعة «عقائد أئمة السلف» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت