مولاه ليس بمستلزم أن يعيده غير ذلك الراجع. فالمعنى: كيف لا أعبد من إليه رجوعي، وإنّما عدل عن (وإليه أرجع) إلى {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} لأنه داخل فيهم، ومع ذلك أفاد فائدة حسنة، وهي: تنبيههم على أنه مثلهم في وجوب عبادة من إليه الرجوع [1] .
ومن أمثلته أيضا قوله تعالى: {وَأُمِرْنََا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعََالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلََاةَ}
[الأنعام: 71، 72] .
ومثاله: من التكلم إلى الغيبة: ووجهه أن يفهم السامع أنّ هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب، وأنه ليس في كلامه ممن يتلوّن ويتوجّه، ويبدي في الغيبة خلاف ما يبديه في الحضور قوله تعالى: {إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللََّهُ}
[الفتح: 1، 2] والأصل (لنغفر لك) . {إِنََّا أَعْطَيْنََاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ} [الكوثر: 1، 2] والأصل: (لنا) . {أَمْرًا مِنْ عِنْدِنََا إِنََّا كُنََّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [الدخان: 158] والأصل: (منّا) . {إِنِّي رَسُولُ اللََّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] إلى قوله: {فَآمِنُوا بِاللََّهِ وَرَسُولِهِ} [الأعراف: 158] والأصل: (وبي) ، وعدل عنه لنكتتين [2] : إحداهما: دفع التهمة عن نفسه بالعصبيّة لها، والأخرى: تنبيههم على استحقاقه الاتّباع بما اتصف به من الصفات المذكورة والخصائص المتلوّة.
ومثاله: من الخطاب إلى التكلّم: لم يقع في القرآن، ومثّل له بعضهم بقوله: {فَاقْضِ مََا أَنْتَ قََاضٍ} [طه: 72] ، ثم قال: {إِنََّا آمَنََّا بِرَبِّنََا} [طه: 73] وهذا المثال لا يصحّ، لأنّ شرط الالتفات أن يكون المراد به واحدا [3] .
ومثاله من الخطاب إلى الغيبة: {حَتََّى إِذََا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} [يونس: 22] والأصل: (بكم) . ونكتة العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم: التعجّب من كفرهم وفعلهم، إذ لو استمرّ على خطابهم لفاتت تلك الفائدة [4] .
وقيل: لأنّ الخطاب أوّلا كان مع الناس مؤمنهم وكافرهم، بدليل: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22] . فلو كان (وجرين بكم) للزم الذمّ للجميع، فالتفت عن الأول
(1) انظر البرهان 3/ 316315، والإكسير ص 144.
(2) انظر الإكسير في علم التفسير ص 142.
(3) انظر البرهان 3/ 317.
(4) قال في الإكسير ص 142: «وفائدة ذلك العدول عن خطابهم إلى حكاية حالهم لغيرهم، لتعجبهم من فعلهم وكفرهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت تلك الفائدة، إذ الإنسان يحب نفسه، لا ينكر عليها ولا يستعظم منها العظائم، بل من غيره» اهـ.