والوقف على كلّ كلمة جائز، ووصل القرآن كلّه جائز، فاحتاج القياس إلى طريق تعرّفه، فنقول: فاصلة الآية كقرينة السجعة في النثر وقافية البيت في الشعر، وما يذكر من عيوب القافية من اختلاف الحركة والإشباع والتوجيه فليس بعيب في الفاصلة، وجاز الانتقال في الفاصلة والقرينة وقافية الأرجوزة من نوع إلى آخر، بخلاف قافية القصيدة، ومن ثمّ ترى: {يَرْجِعُونَ} مع {عَلِيمٌ} [آل عمران: 72، 73] ، و {الْمِيعََادَ} مع {الثَّوََابِ} [آل عمران: 194، 195] ، {وَالطََّارِقِ} مع {الثََّاقِبُ} [الطارق: 1، 3] .
والأصل في الفاصلة والقرينة المتجرّدة في الآية والسجعة المساواة، ومن ثمّ أجمع العادّون على ترك عدّ: {وَيَأْتِ بِآخَرِينَ} [النساء: 133] ، {وَلَا الْمَلََائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} في النساء: [172] ، {كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} بسبحان [الإسراء: 59] ، و {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} بمريم [97] ، و {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} بطه [113] . و {مِنَ الظُّلُمََاتِ إِلَى النُّورِ} [الطلاق:
11]، {أَنَّ اللََّهَ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بالطلاق [12] . حث لم يشاكل طرفيه.
وعلى ترك عدّ: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللََّهِ يَبْغُونَ} بآل عمران [83] . و {أَفَحُكْمَ الْجََاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} بالمائدة [50] . وعدّوا نظائرها للمناسبة، نحو: {لِأُولِي الْأَلْبََابِ} بآل عمران [190] ، و {عَلَى اللََّهِ كَذِبًا} بالكهف [15] . {وَالسَّلْوى ََ} بطه [80] [1] .
وقال غيره: تقع الفاصلة عند الاستراحة بالخطاب لتحسين الكلام بها، وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل لأنه ينفصل عنده الكلامان، وذلك أنّ آخر الآية فصل بينها وبين ما بعدها، وأخذا من قوله تعالى: {كِتََابٌ فُصِّلَتْ آيََاتُهُ} [فصلت: 3] .
ولا يجوز تسميتها قوافي إجماعا لأنّ الله تعالى لمّا سلب عنه اسم الشعر وجب سلب القافية عنه أيضا لأنها منه، وخاصة في الاصطلاح، وكما يمتنع استعمال القافية فيه يمتنع استعمال الفاصلة في الشعر لأنها صفة لكتاب الله تعالى فلا تتعدّاه.
وهل يجوز استعمال السجع في القرآن؟ [2] خرف، الجمهور على المنع لأنّ أصله من سجمع الطير فشرف القرآن أن يستعار لشيء منه لفظ أصله مهمل ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في وصفه بذلك، ولأنّ القرآن من صفاته تعالى، فلا يجوز
(1) البرهان 1/ 10099.
(2) انظر الفاصلة ص 91، وأسس النقد عند العرب لأحمد بدوي ص 601و 909، والإيجاز للرازي ص 143142.