وصفه بصفة لم يرد الإذن بها.
قال الرمانيّ في إعجاز القرآن: ذهب الأشعرية إلى امتناع أن يقال: في القرآن سجمع، وفرّقوا بأنّ السجع هو الذي يقصد فيه نفسه ثم يحال المعنى عليه، والفواصل التي تتبع المعاني، ولا تكون مقصودة في نفسها.
قال: ولذلك كانت الفواصل بلاغة، والسجع عيبا.
وتبعه على ذلك القاضي أبو بكر الباقلانيّ، ونقله عن نصّ أبي الحسن الأشعريّ وأصحابنا كلهم.
قال: وذهب كثير من غير الأشاعرة إلى إثبات السجع في القرآن، وزعموا أنّ ذلك ممّا يبين به فضل الكلام، وأنّه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة، كالجناس والالتفات ونحوهما.
قال: وأقوى ما استدلّوا به الاتفاق على أنّ موسى أفضل من هارون، ولمكان السجع قيل في موضع: {هََارُونَ وَمُوسى ََ} [طه: 70] ، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل: {مُوسى ََ وَهََارُونَ} [الشعراء: 48] .
قالوا: وهذا يفارق أمر الشعر، لأنه لا يجوز أن يقع في الخطاب إلّا مقصودا إليه، وإذا وقع غير مقصود إليه كان دون القدر الذي تسميه شعرا وذلك القدر مما يتّفق وجوده من المفحم، كما يتفق وجوده من الشاعر. وأما ما جاء في القرآن من السجع فهو كثير لا يصحّ أن يتفق غير مقصود إليه.
وبنوا الأمر في ذلك على تحديد معنى السجع.
فقال أهل اللغة: هو موالاة الكلام على حدّ واحد.
وقال ابن دريد: سجعت الحمامة معناه ردّدت صوتها، قال القاضي: وهذا غير صحيح، ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يقال: هو سجع معجز، لجاز أن يقولوا: شعر معجز، وكيف والسجع ممّا كان تألفه الكهّان من العرب، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر لأن الكهانة تنافي النبوّات بخلاف الشعر، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم: «أسجع كسجع الكهان!» [1] فجعله مذموما.
(1) رواه مسلم (1682) ، وأبو داود (4568) ، والترمذي (1411) ، والنسائي 8/ 51، والدارمي (2382) ،