فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 626

قال: وما توهّموا أنّه سجع باطل لأنّ مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو لأنّ السجع يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدّي السجع، وليس كذلك ما اتفق ممّا هو في معنى السجع من القرآن لأنّ اللفظ وقع فيه تابعا للمعنى وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدّي المعنى المقصود منه، وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ. ومتى ارتبط المعنى بالسجع كان إفادة السجع كإفادة غيره، ومتى انتظم المعنى بنفسه دون السجع، كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى.

قال: وللسّجع منهج محفوظ وطريق مضبوط، من أخلّ به وقع الخلل في كلامه ونسب إلى الخروج عن الفصاحة، كما أنّ الشاعر إذا خرج عن الوزن المعهود كان مخطئا، وأنت ترى فواصل القرآن متفاوتة، بعضها متداني المقاطع، وبعضها يمتدّ حتى يتضاعف طوله عليه، وترد الفاصلة في ذلك الوزن الأول بعد كلام كثير وهذا في السجع غير مرضيّ ولا محمود.

قال: وأمّا ما ذكروه من تقديم موسى على هارون في موضع، وتأخيره عنه في موضع لمكان السجع وتساوى مقاطع الكلام، فليس بصحيح بل الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدّي معنى واحدا، وذلك من الأمر الصعب الذي تظهر فيه الفصاحة وتتبيّن فيه البلاغة، ولهذا أعيدت كثير من القصص على ترتيبات متفاوتة، تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومتكررا ولو أمكنهم المعارضة لقصدوا تلك القصّة، وعبّروا عنها بألفاظ لهم تؤدّي إلى تلك المعاني ونحوها، فعلى هذا القصد بتقديم بعض الكلمات على بعض وتأخيرها إظهار الإعجاز دون السجع إلى أن قال:

فبان بذلك أنّ الحروف الواقعة في الفواصل متناسبة موقع النظائر التي تقع في الأسجاع لا تخرجها عن حدّها، ولا تدخلها في باب السجع. وقد بيّنا أنهم يذمّون كلّ سجع خرج عن اعتدال الأجزاء فكان بعض مصاريعه كلمتين، وبعضها أربع كلمات، ولا يرون ذلك فصاحة، بل يرونه عجزا، فلو فهموا اشتمال القرآن على السجع، لقالوا: نحن نعارضه بسجع معتدل يزيد في الفصاحة على طريقة القرآن. انتهى كلام القاضي في كتاب الإعجاز [1] .

والدارقطني 3/ 189، وابن حبان (6016) ، وابن الجارود (778) ، والطحاوي 3/ 206205. من طرق عن المغيرة. وله طرق أخرى انظر تفصيلها في تخريجنا لسنن ابن ماجة.

(1) إعجاز القرآن ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت