فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 626

والثاني: أنّ نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبّة الواحدة واحدة. ثم إنّا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد فلو كان المؤثّر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار فعلمنا أنّ المؤثّر قادر مختار. وهذا هو المراد من قوله: {وَمََا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوََانُهُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) } [النحل: 13] كأنه قيل: اذكر ما ترسّخ في عقلك: أنّ الواجب بالذات وبالطبع لا يختلف تأثيره، فإذا نظرت حصول هذا الاختلاف علمت أنّ المؤثر ليس هو الطبائع، بل الفاعل المختار، فلهذا جعل مقطع الآية التذكّر.

ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيات، فإنّ الأولى ختمت بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . والثانية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . والثالثة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .

لأنّ الوصايا التي في الآية الأولى إنما يحمل على تركها عدم العقل الغالب على الهوى: لأنّ الإشراك بالله، لعدم استكمال العقل الدالّ على توحيده وعظمته. وكذلك عقوق الوالدين: لا يقتضيه العقل، لسبق إحسانهما إلى الولد بكلّ طريق، وكذلك قتل الأولاد بالوأد من الإملاق، مع وجود الرازق الحيّ الكريم، وكذلك إتيان الفواحش لا يقتضيه عقل، وكذا قتل النفس لغيظ أو غضب في القاتل، فحسن بعد ذلك {يَعْقِلُونَ} .

وأما الثانية: فلتعلّقها بالحقوق المالية والقولية، فإنّ من علم أنّ له أيتاما يخلّفهم من بعده: لا يليق به أن يعامل أيتام غيره إلا بما يحبّ أن يعامل به أيتامه. ومن يكيل أو يزن أو يشهد لغيره: لو كان ذلك الأمر له لم يحبّ أن يكون فيه خيانة ولا بخس. وكذا من وعد: لو وعد، لم يحب أن يخلف. ومن أحب ذلك عامل الناس به ليعاملوه بمثله، فترك ذلك إنما يكون لغفلة عن تدبّر ذلك وتأمّله، فلذلك ناسب الختم بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} .

وأما الثالثة: فلأنّ ترك اتباع شرائع الله الدينية مؤدّ إلى غضبه وإلى عقابه، فحسن:

{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: عقاب الله بسببه.

ومن ذلك قوله في الأنعام أيضا: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ} الآيات، فإنه ختم الأولى بقوله: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، والثانية بقوله: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ، والثالث بقوله: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} . وذلك لأنّ.

حساب النجوم والاهتداء بها يختصّ بالعلماء بذلك، فناسب ختمه ب {يَعْلَمُونَ} .

وإنشاء الخلائق من نفس واحدة، ونقلهم من صلب إلى رحم، ثم إلى الدنيا، ثم إلى حياة وموت، والنظر في ذلك والفكر فيه أدقّ، فناسب ختمه ب {يَفْقَهُونَ} لأنّ الفقه فهم الأشياء الدقيقة.

ولمّا ذكر ما أنعم به على عباده من سعة الأرزاق والأقوات والثمار وأنواع ذلك، ناسب ختمه بالإيمان الداعي إلى شكره تعالى على نعمه.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمََا هُوَ بِقَوْلِ شََاعِرٍ قَلِيلًا مََا تُؤْمِنُونَ (41) وَلََا بِقَوْلِ كََاهِنٍ قَلِيلًا مََا تَذَكَّرُونَ (42) } [الحاقة: 41، 42]

حيث ختم الأولى ب {تُؤْمِنُونَ} ، والثانية ب {تَذَكَّرُونَ} ووجهه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت