الأول: قد تجتمع فواصل في موضع واحد ويخالف بينها: كأوائل النحل، فإنه بدأ بذكر الأفلاك، فقال: {خَلَقَ السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} [النحل: 3] ثم ذكر خلق الإنسان من نطفة، ثم خلق الأنعام، ثم عجائب النبات، فقال: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمََاءِ مََاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرََابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنََابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرََاتِ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) } [النحل: 10، 11] فجعل مقطع هذه الآية التفكّر لأنّه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار، ولمّا كان هنا مظنّة سؤال، وهو أنه: لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر؟ وكان الدليل لا يتمّ إلّا بالجواب عن هذا السؤال، كان مجال التفكر والنظر والتأمّل باقيا، فأجاب تعالى عنه من وجهين:
أحدهما: أنّ تغيّرات العالم السفلي مربوطة بأحوال حركات الأفلاك، فتلك الحركات كيف حصلت؟ فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل، وإن كان من الخالق الحكيم: فذاك إقرار بوجود الإله تعالى. وهذا هو المراد بقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهََارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرََاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيََاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) }
[النحل: 12] فجعل مقطع هذه الآية العقل، وكأنه قيل: إن كنت عاقلا فاعلم أنّ التسلسل باطل فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرّك، وهو الإله القادر المختار.
والثاني: أنّ نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبّة الواحدة واحدة. ثم إنّا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة، والآخر في غاية السواد فلو كان المؤثّر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار فعلمنا أنّ المؤثّر قادر مختار. وهذا هو المراد من قوله: {وَمََا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوََانُهُ إِنَّ فِي ذََلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) } [النحل: 13] كأنه قيل: اذكر ما ترسّخ في عقلك: أنّ الواجب بالذات وبالطبع لا يختلف تأثيره، فإذا نظرت حصول هذا الاختلاف علمت أنّ المؤثر ليس هو الطبائع، بل الفاعل المختار، فلهذا جعل مقطع الآية التذكّر.
ومن ذلك قوله تعالى: {قُلْ تَعََالَوْا أَتْلُ مََا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} الآيات، فإنّ الأولى ختمت بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} . والثانية بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} . والثالثة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} .