فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 626

كذلك، فكان في الوصف بالحكيم احتراس حسن، أي: وإن تغفر لهم مع استحقاقهم العذاب فلا معترض عليك لأحد في ذلك، والحكمة فيما فعلته.

ونظير ذلك: قوله في سورة التوبة [71] : {أُولََئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللََّهُ إِنَّ اللََّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} . وفي سورة الممتحنة [5] : {وَاغْفِرْ لَنََا رَبَّنََا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وفي غافر [8] : {رَبَّنََا وَأَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ} . إلى قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وفي النور [10] : {وَلَوْلََا فَضْلُ اللََّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللََّهَ تَوََّابٌ حَكِيمٌ (10) } . فإنّ بادئ الرأي يقتضي {تَوََّابٌ رَحِيمٌ} لأنّ الرحمة مناسبة للتوبة، لكن عبّر به إشارة إلى فائدة مشروعية اللّعان وحكمته، وهي السّتر عن هذه الفاحشة العظيمة.

ومن خفيّ ذلك أيضا: قوله في سورة البقرة [29] : {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مََا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى ََ إِلَى السَّمََاءِ فَسَوََّاهُنَّ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } . وفي آل عمران [29] : {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مََا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللََّهُ وَيَعْلَمُ مََا فِي السَّمََاوََاتِ وَمََا فِي الْأَرْضِ وَاللََّهُ عَلى ََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) } .

فإنّ المتبادر إلى الذهن في آية البقرة الختم بالقدرة، وفي آية آل عمران الختم بالعلم. والجواب:

أنّ آية البقرة: لما تضمّنت الإخبار عن خلق الأرض، وما فيها على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، وخلق السموات خلقا مستويا محكما من غير تفاوت، والخالق على الوصف المذكور يجب أن يكون عالما بما فعله كليّا وجزئيا، مجملا ومفصلا، ناسب ختمها بصفة العلم.

وآية آل عمران: لما كانت في سياق الوعيد على موالاة الكفار، وكان التعبير بالعلم فيها كناية عن المجازاة بالعقاب والثواب، ناسب ختمها بصفة القدرة.

ومن ذلك قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلََّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلََكِنْ لََا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كََانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] فالختم بالحلم والمغفرة عقب تسابيح الأشياء غير ظاهر في بادئ الرأي، وذكر في حكمته: أنه لما كانت الأشياء كلّها تسبّح، ولا عصيان في حقّها وأنتم تعصون: ختم به مراعاة للمقدّر في الآية وهو العصيان. كما جاء في الحديث: «لولا بهائم رتّع، وشيوخ ركّع، وأطفال رضّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا، ولرصّ رصّا» [1] .

(1) رواه ابن عدي في الكامل 6/ 380، والبيهقي في سننه 3/ 345، وفي شعب الإيمان 7/ 155، وابن أبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت