فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 626

فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكلّ من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها، يدلّ على ذلك أنّه لا يصحّ أن يقال له: رسالة، أو خطابة، أو شعر، أو سجع، كما يصحّ أن يقال: هو كلام. والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم، ولهذا قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ (41) لََا يَأْتِيهِ

الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 41، 42] تنبيها على أنّ تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يغيّر بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخرى.

قال: وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف النّاس عن معارضته، فظاهر أيضا إذا اعتبر وذلك أنّه ما من صناعة محمودة كانت أو مذمومة إلّا وبينها وبين قوم مناسبات خفيّة، واتفاقات حمليّة بدليل أنّ الواحد يؤثر حرفة من الحرف، فينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه في مباشرتها، فيقبلها بانشراح صدر، ويزاولها باتّساع قلب، فلمّا دعا الله أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم إلى معارضة القرآن، وعجزهم عن الإتيان بمثله، ولم يتصدّوا لمعارضته لم يخف على أولي الألباب أنّ صارفا إلهيّا صرفهم عن ذلك، وأيّ إعجاز أعظم من أن يكون كافة البلغاء عجزة في الظاهر عن معارضته، مصروفة في الباطن عنها. انتهى.

وقال السّكاكيّ في «المفتاح» [1] : اعلم أنّ إعجاز القرآن يدرك ولا يمكن وصفه، كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة، وكما يدرك طيب النّغم العارض لهذا الصوت، ولا يدرك تحصيله لغير ذوي الفطرة السليمة إلّا باتقان علمي المعاني والبيان والتمرين فيهما.

وقال أبو حيان التوحيديّ [2] : سئل بندار الفارسيّ عن موضع الإعجاز من القرآن؟

فقال: هذه مسألة فيها حيف على المعنى، وذلك أنه شبيه بقولك: ما موضع الإنسان من الإنسان؟ فليس للإنسان موضع من الإنسان بل متى أشرت إلى جملته فقد حقّقته ودللت على ذاته، كذلك القرآن، لشرفه لا يشار إلى شيء فيه إلا وكان ذلك المعنى آية في نفسه، ومعجزة لمحاوله، وهدى لقائله، وليس في طاقة البشر الإحاطة بأغراض الله في كلامه وأسراره في كتابه فلذلك حارت العقول، وتاهت البصائر عنده.

وقال الخطابي [3] : ذهب الأكثرون من علماء النظر، إلى أنّ وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها، وصغوا فيه إلى حكم الذوق.

قال: والتحقيق أنّ أجناس الكلام مختلفة، ومراتبها في درجات البيان متفاوتة فمنها البليغ الرّصين الجزل، ومنها الفصيح الغريب السهل، ومنها الجائز الطّلق الرّسل، وهذه

(1) مفتاح العلوم ص 221، وانظر البرهان 2/ 100.

(2) في كتاب «البصائر» ، كما في البرهان 2/ 100.

(3) في كتابه «بيان إعجاز القرآن» ص 2221.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت