فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 626

{وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) } [الشعراء: 196] ، وما هو في القرآن من المعارف الإلهية، وبيان المبدإ والمعاد والإخبار بالغيب فإعجاز ليس براجع إلى القرآن من حيث هو قرآن، بل لكونها حاصلة من غير سبق تعليم وتعلّم، ويكون الإخبار بالغيب إخبارا بالغيب سواء كان بهذا النظم، أو بغيره، موردا بالعربية أو بلغة أخرى، بعبارة أو بإشارة فإذن النظم المخصوص صورة القرآن واللفظ والمعنى عنصره، وباختلاف الصّور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره كالخاتم والقرط والسّوار، فإنّه باختلاف صورها اختلفت أسماؤها، لا بعنصرها الذي هو الذّهب والفضة والحديد، فإنّ الخاتم المتخذ من الذهب ومن الفضة ومن الحديد يسمّى خاتما، وإن كان العنصر مختلفا، وإن اتخذ خاتم وقرب وسوار من ذهب اختلفت أسماؤها باختلاف صورها، وإن كان العنصر واحدا.

قال: فظهر من هذا: أنّ الإعجاز المختصّ بالقرآن يتعلّق بالنظم المخصوص.

وبيان كون النظم معجزا يتوقّف على بيان نظم الكلام، ثم بيان أنّ هذا النظم مخالف لنظم ما عداه، فنقول: مراتب تأليف الكلام خمس:

الأولى: ضمّ الحروف المبسوطة بعضها إلى بعض، لتحصل الكلمات الثلاث:

الاسم والفعل والحروف.

والثانية: تأليف هذه الكلمات بعضها إلى بعض، لتحصل الجمل المفيدة، وهو النوع الذي يتداوله الناس جميعا في مخاطباتهم، وقضاء حوائجهم، ويقال له: المنثور من الكلام.

والثالثة: ضمّ بعض ذلك إلى بعض ضمّا له مباد ومقاطع، ومداخل ومخارج، ويقال له: المنظوم.

والرابعة: أن يعتبر في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له: المسجّع.

والخامسة: أن يجعل له مع ذلك وزن، ويقال له: الشعر.

والمنظوم: إمّا محاورة ويقال له الخطابة، وإمّا مكاتبة ويقال له الرسالة.

فأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الأقسام، ولكلّ من ذلك نظم مخصوص، والقرآن جامع لمحاسن الجميع على نظم غير نظم شيء منها، يدلّ على ذلك أنّه لا يصحّ أن يقال له: رسالة، أو خطابة، أو شعر، أو سجع، كما يصحّ أن يقال: هو كلام. والبليغ إذا قرع سمعه فصل بينه وبين ما عداه من النظم، ولهذا قال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتََابٌ عَزِيزٌ (41) لََا يَأْتِيهِ

الْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلََا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 41، 42] تنبيها على أنّ تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يغيّر بالزيادة والنقصان كحالة الكتب الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت