فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 626

الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرار لا يوجد له فترة، ولا يقدر عليه أحد من البشر. وكلام العرب ومن تكلّم بلغتهم لا تستمرّ الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلّا في الشيء اليسير المعدود، ثم تعرض الفترات الإنسانية، فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمرّ لذلك الفصاحة في جميعه، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.

وقال المراكشيّ في «شرح المصباح» : الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكّر في علم البيان، وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى، وعن تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال.

لأنّ جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه، وإلّا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرّد تأليفها وإلّا لكان كلّ تأليف معجزا، ولا إعرابها وإلّا لكان كل كلام معرب معجزا، ولا مجرد أسلوبه وإلّا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزا، والأسلوب الطريق، ولكان هذيان مسيلمة معجزا. ولأنّ الإعجاز يوجد دونه أيّ الأسلوب في نحو: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا} [يوسف: 80] . {فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] .

ولا بالصّرف عن معارضتهم لأن تعجّبهم كان من فصاحته، ولأنّ مسيلمة وابن المقفّع والمعرّي وغيرهم، قد تعاطوها، فلم يأتوا إلّا بما تمجّه الأسماع، وتنفر منه الطباع، ويضحك منه في أحوال تركيبه، وبها أي بتلك الأحوال أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء.

فعلى إعجازه دليل إجماليّ، وهو: أنّ العرب عجزت عنه وهو بلسانها، فغيرها أحرى. ودليل تفصيليّ، مقدّمته التفكّر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما.

وقال الأصبهانيّ في تفسيره: اعلم أنّ إعجاز القرآن ذكر من وجهين [1] : أحدهما إعجاز يتعلّق بنفسه، والثاني بصرف الناس عن معارضته. فالأوّل: إمّا أن يتعلّق بفصاحته وبلاغته أو بمعناه، أما الإعجاز المتعلّق بفصاحته وبلاغته فلا يتعلّق بعنصره الذي هو اللفظ والمعنى فإنّ ألفاظه ألفاظهم، قال تعالى: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] ، {بِلِسََانٍ عَرَبِيٍّ} [الشعراء: 195] ، ولا بمعانيه فإنّ كثيرا منها موجود في الكتب المتقدّمة، قال تعالى:

(1) انظر البرهان 2/ 92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت