فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 626

ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتّسق أمر تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته بمثله، أو مناقضته في شكله. ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر لمّا رأوه منظوما، ومرة: إنه سحر لمّا رأوه معجوزا عنه، غير مقدور عليه. وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب، وقرعا في النفوس، يرهبهم ويحيّرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف، ولذلك قالوا: إنّ له لحلاوة وإن عليه لطلاوة. وكانوا مرة بجهلهم يقولون:

{أَسََاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهََا فَهِيَ تُمْلى ََ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] ، مع علمهم أنّ صاحبهم أمّيّ، وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل، والعجز.

ثم قال: وقد قلت في إعجاز القرآن وجها ذهب عنه الناس، وهو: صنيعه في القلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلاما غير القرآن منظوما ولا منثورا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب، من اللذة والحلاوة في حال، ومن الرّوعة والمهابة في حال آخر، ما يخلص منه إليه، قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا الْقُرْآنَ عَلى ََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللََّهِ} [الحشر: 21] ، وقال: {اللََّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتََابًا مُتَشََابِهًا مَثََانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر: 23] . انتهى.

وقال ابن سراقة: اختلف أهل العلم في وجه إعجاز القرآن، فذكروا في ذلك وجوها كثيرة كلّها حكمة وصواب، وما بلغوا في وجوه إعجازه جزءا واحدا من عشر معشاره:

فقال قوم: هو الإيجاز مع البلاغة.

وقال آخرون: هو البيان والفصاحة.

وقال آخرون: هو الرّصف والنظم.

وقال آخرون: هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب من النظم، والنثر، والخطب والشعر، مع كون حروفه في كلامهم ومعانيه في خطابهم وألفاظه من جنس كلماتهم، وهو بذاته قبيل غير قبيل كلامهم، وجنس آخر متميّز عن أجناس خطابهم حتى إنّ من اقتصر على معانيه وغير حروفه أذهب رونقه، ومن اقتصر على حروفه وغيّر معانيه أبطل فائدته فكان في ذلك أبلغ دلالة على إعجازه.

وقال آخرون: هو كون قارئه لا يكلّ، وسامعه لا يملّ، وإن تكرّرت عليه تلاوته.

وقال آخرون: هو ما فيه من الإخبار عن الأمور الماضية.

وقال آخرون: هو ما فيه من علم الغيب والحكم على الأمور بالقطع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت