قال: ثم هو سبحانه وتعالى يقسم على أصول الإيمان التي تجب على الخلق معرفتها، تارة يقسم على التوحيد، وتارة يقسم على أنّ القرآن حقّ، وتارة على أنّ الرسول حقّ، وتارة على الجزاء والوعد والوعيد، وتارة يقسم على حال الإنسان.
فالأول: كقوله: {وَالصَّافََّاتِ صَفًّا (1) } إلى قوله: {إِنَّ إِلََهَكُمْ لَوََاحِدٌ (4) }
[الصافات: 41] .
والثاني: كقوله: {فَلََا أُقْسِمُ بِمَوََاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) } [الواقعة: 7775] .
والثالث: كقوله: {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) } [يس: 31] .
{وَالنَّجْمِ إِذََا هَوى ََ (1) مََا ضَلَّ صََاحِبُكُمْ وَمََا غَوى ََ (2) } [النجم: 21] .
والرابع: كقوله: {وَالذََّارِيََاتِ} إلى قوله: {إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَصََادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوََاقِعٌ (6) }
[الذاريات: 61] . {وَالْمُرْسَلََاتِ} إلى قوله: {إِنَّمََا تُوعَدُونَ لَوََاقِعٌ (7) } [المرسلات: 71] .
والخامس: كقوله: {وَاللَّيْلِ إِذََا يَغْشى ََ (1) } إلى قوله: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتََّى (4) }
[الليل: 41] . {وَالْعََادِيََاتِ} إلى قوله: {إِنَّ الْإِنْسََانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) }
[العاديات: 61] . {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسََانَ لَفِي خُسْرٍ (2) } [العصر: 1، 2] . {وَالتِّينِ} إلى قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسََانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) } [التين: 41] . {لََا أُقْسِمُ بِهََذَا الْبَلَدِ (1) } إلى قوله: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسََانَ فِي كَبَدٍ (4) } [البلد: 41] .
قال: وأكثر ما يحذف الجواب إذا كان في نفس المقسم به دلالة على المقسم عليه فإنّ المقصود يحصل بذكره، فيكون حذف المقسم عليه أبلغ وأوجز، كقوله: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) } [ص: 1] ، فإنّ في المقسم به من تعظيم القرآن، ووصفه بأنه (ذو الذكر) المتضمن لتذكير العباد ما يحتاجون إليه والشرف والقدر، ما يدلّ على المقسم عليه، وهو:
كونه حقّا من عند الله غير مفترى كما يقول الكافرون، ولهذا قال كثيرون: إنّ تقدير الجواب: (إنّ القرآن لحق) . وهذا مطّرد في كلّ ما شابه ذلك، كقوله: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) } [ق: 1] ، وقوله: {لََا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيََامَةِ (1) } [القيامة: 1] فإنه يتضمّن إثبات المعاد، وقوله: {وَالْفَجْرِ (1) } [الفجر: 1] فإنها أزمان تتضمّن أفعالا معظمة من المناسك وشعائر الحج، التي هي عبودية محضة لله تعالى وذلّ وخضوع لعظمته، وفي ذلك تعظيم ما جاء به محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
قال: ومن لطائف القسم قوله: {وَالضُّحى ََ (1) وَاللَّيْلِ إِذََا سَجى ََ (2) } [الضحى: 1، 2] الآيات، أقسم تعالى على إنعامه على رسوله وإكرامه له وذلك متضمّن لتصديقه له فهو قسم على صحة نبوته وعلى جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوّة والمعاد، وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته. وتأمل مطابقة هذا القسم وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل المقسم عليه، وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودّع محمدا ربّه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه (1) .