فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 626

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلََّا وََارِدُهََا} [مريم: 71] . تقديره: (والله) .

وقال أبو عليّ الفارسيّ: الألفاظ الجارية مجرى القسم ضربان:

أحدهما: ما تكون كغيرها من الأخبار التي ليست بقسم، فلا تجاب بجوابه كقوله:

{وَقَدْ أَخَذَ مِيثََاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الحديد: 8] . {وَرَفَعْنََا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا} [البقرة: 63] .

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ} [التوبة: 96] . وهذا ونحوه يجوز أن يكون قسما، وأن يكون حالا، لخلوّه من الجواب.

والثاني: ما يتلقى بجواب القسم، كقوله: {وَإِذْ أَخَذَ اللََّهُ مِيثََاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتََابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنََّاسِ} [آل عمران: 187] . {وَأَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ} [النور: 53] .

وقال غيره: أكثر الأقسام في القرآن المحذوفة الفعل لا تكون إلّا بالواو، فإذا ذكرت الباء أتي بالفعل، كقوله: {وَأَقْسَمُوا بِاللََّهِ} [النور: 53] . {يَحْلِفُونَ بِاللََّهِ} [التوبة: 62] . ولا تجد الباء مع حذف الفعل. ومن ثمّ كان خطأ من جعل قسما {بِاللََّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ}

[لقمان: 13] . {بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ} [الزخرف: 49] . {بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ}

[المائدة: 116] .

وقال ابن القيّم [1] : اعلم أنّه سبحانه وتعالى يقسم بأمور على أمور، وإنما يقسم بنفسه المقدّسة الموصوفة بصفاته، أو بآياته المستلزمة لذاته وصفاته. وإقسامه ببعض المخلوقات دليل على أنّها من عظيم آياته، فالقسم إما على جملة خبرية وهو الغالب، كقوله: {فَوَ رَبِّ السَّمََاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ} [الذاريات: 23] ، وإما على جملة طلبيّة كقوله:

{فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ (93) } [الحجر: 92، 93] ، مع أنّ هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به تحقيق القسم فالمقسم عليه يراد بالقسم توكيده وتحقيقه، فلا بدّ أن يكون ممّا يحسن فيه، وذلك كالأمور الغائبة والخفية إذا أقسم على ثبوتها فأما الأمور المشهودة الظاهرة كالشمس والقمر، والليل والنهار، والسماء والأرض، فهذه يقسم بها ولا يقسم عليها، وما أقسم عليه الربّ فهو من آياته، فيجوز أن يكون مقسما به ولا ينعكس، وهو سبحانه وتعالى يذكر جواب القسم تارة وهو الغالب، ويحذفه أخرى كما يحذف جواب لو كثيرا للعلم به.

والقسم: لما كان يكثر في الكلام اختصر فصار فعل القسم يحذف، ويكتفى بالباء، ثم عوّض من الباء الواو في الأسماء الظاهرة، والتاء في اسم الله تعالى، كقوله: {وَتَاللََّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنََامَكُمْ} [الأنبياء: 57] .

(1) التبيان ص 23بتحقيقنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت